سمراء عند الملامسة
مركب ورق قلبي .. أوان فرحها ماجاش


قلت لها.. عندما نظرت إلى السماء المتسعة بخوف ورفضت أن تصاحبني :
السماء ليست باردة كما تظنين.. السماء دفء مجمد.. صنعته - مع السنين - آلاف من الأحلام المؤجلة.. حين تتنهدين.. ينسكب.. خفيفا خفيفا.. يطفئ المشاجرات الصغيرة.. يروي زهور الشرفات.. يملأ حصالات الأطفال ورئات العاشقين ومقاعد السينما.. ويغرق الحروف المتشابهة الممتدة بلا نهاية في ورق الخطابات.. ويسبب ارتفاع منسوب البحار.. فتغرق الجزر الكبيرة.. بينما الجزر الصغيرة تتسع ..
وباستخفاف.. ربما يذكر السادة الذين يحملون المظلات.. بأنهم ليسوا في أمان ..
................................
أول مرة لسعني ثلج القلب حين وجدتني أزيد من حرارة ماء الاستحمام.. بعد يومين من الرحيل.. كنت أكره الماء الساخن قبلها.. وأقول إنه حيلة الوحيدين إذ يرغبون في أنفاس دافئة ولون وردي في الأطراف.. وإنه يشبه مضاجعة الهواء.. وآخر مرة لسعني ثلج القلب حين أخبرتني صديقة أخرى أن غرفتي تسرقني.. وأنني يجب أن أبحث عن مكان آخر للكتابة غير تلك التي أدخن فيها نفسي كسيجارة مؤلمة لا تنتهي.. أقلعت عن التدخين بعدها ولم نر بعضنا البعض ونسيت ما قالته بشأن الغرفة..
................................
قلت لها .. حين اشتكت لي من صغر حجم المدفأة :
ضعيها على الأرض.. وقفي حافية في مواجهتها.. لا الغرفة تهم ولا حتى قلبك أو أطراف شعرك.. المهم أن يدخل الدفء قدميك.. فإن غمر الدفء قدميك صارت نوافذك شموس وصارت شموسك نوافذ .. وإن عرى الضوء ما بين أصابع قدميك صار قلبك سربا من فراشات بيضاء.. الدفء سماؤنا الثامنة التي تنطفئ أحلامنا قبل الوصول إليها.. الدفء إرث الكواكب قبل أن يخلق البشر.. إرث ثقيل.. فسيري عليه ولا تحمليه ..
................................
ويسألونك عن الدفء.. قل هو خمر الفقراء السائرين إلى الله إذ توشك الروح أن تلمس طرف عباءته باليدين.. وما أوتيتم من الروح إلا قليلا..
ويسألونك.. قل هو ابتداء اللقيا بين الروح والجسد دون أن يعرف أحد أيهما يأخذ الخطوة الأولى.. هل تترك الروح صحراءها السماوية وتبحث عن جسدها أم أنه يترك مطرقة الدقائق ويبحث عنها.. هو أول بعث بعد ألف موت خفي.. أول شمس تملأ رائحتها ملابسك بعد ألف صباح لا يتعد زجاج النافذة.. أول من يفتح بوابات الروح.. هو يسبق النية وقت الصلاة.. ويسبق انفراط رمان الخيال وقت ممارسة الحب.. ويسبق إغماض العينين وتنسم رائحة القهوة وقت التذكر.. هو أول أشكال الكائنات قبل أن تحبسنا الذاكرة في رأس وأطراف.. هو أول أشجار القلب.. ومواسم الشعر.. ومراتب الجنة..
................................
لم أقل شيئا.. حين أخبرتني أنها تسكب الماء يوميا لريحان الشرفة مثلما اعتادت منذ كانت لنا شرفة واحدة.. رغم برودة قارسة تغلف شرفتها الجديدة.. فقط قمت بهدوء لأفتح باب شرفتي.. رأيتها.. كما تركتها آخر مرة.. الشمس الصغيرة في منتصف طريقها للصعود.. وقد علقت بين أغصان الشجرة المواجهة.. كانت تملأ كل مجال الرؤية ضياء أبيض.. كان هناك شجرة بيضاء وسور شرفة أبيض وقمصان بيضاء معلقة فوق الحبل الأبيض وطرف كوفية أبيض وأصابع بيضاء رغم دفئها.. كان قويا حتى أنه كان ينفذ خلال جسدي وأحسه ملامسا للجدار الأمامي للقلب.. أنفاسي كانت دافئة وتشعرني برغبة في الضحك.. تشجعت أكثر و قربت يدي ببطء.. كانت ناعمة كالقطن يعلوها زغب أصفر هش ما إن ألمسه حتى يتناثر حولي نجوما صغيرة تسقط على الأوراق أو سور الشرفة أو على قدمي الحافيتين فيرتعش جسدي وأتراجع ثم أقترب من جديد.. لم تكن ملتهبة كما توقعت.. كانت ساخنة كرغيف مستدير خارج لتوه من الفرن.. شعرت بالجوع.. اقتربت.. كان الوهج الأبيض قد أرهق قلبي ولكني جازفت وعانقتها.. كانت خفيفة الوزن.. مررت يدي بين الأغصان فاندفعت الكرة برفق لأعلى كبالون الهيليوم.. ظلت تبتعد وتسخن وتتغير ابتسامتها لتأخذ هيئة جادة تليق بشمس ظهيرة..
عند هذه النقطة تحديدا
سأتوقف
سأقول : أنا ليس هو
ذلك الذي يأتي الأطفال لكي يرسموه
بعد أن يسكبوا لون أرواحهم على الصفحة
سأقول : ظللت طويلا هنا
ألون السماء كل يوم
أحفظ الأسرار
أملأ فراغات الأرواح
ببديل أقل برودة من الوحدة
حفظت اهتزازات النخل
ملمس أعمدة الحديد
الكلمات الأخيرة للغرقى
رائحة البنات التي تهبط سلم الشهوة
إلى كتفي
لا أنكر أنني قد قضيت أوقاتا طيبة
تؤنسني الأغاني الشعبية من المراكب
وتدفئني زوارق الصيد الصغيرة
التي تتسلل إلى جيوبي
وأنني قد أحببت ذلك الدبيب
لخطو العاشقين المستندين إلى ضلوعي المتوازية
وأن الشوارع من هذه البعد
تبدو تافهة وبائسة إلى حد رائع
لكنني سأتوقف الآن
سأقول :لقد خدعني مرتين
لم يخبرني أنني
سيكون علي أن أتحمل
أشياء بهذا الثقل
كماسبيرو
وورد ذبل في أيدي الباعة
وأشياء بهذه الخفة
كأيد ذكورية تتسلل تحت جيبة فتاة
أو مدرعة تمتلك القدرة على الطيران
فوق عيون الأطفال
سأروي :
ذات يوم
ترك ولد كف بنت وقفز
فقايضه النيل
إما الغرق
أو " تأدية عمل بسيط "
ثم تركه معلقا
وركض خلف البنت
تلك التي كانت ترتدي حذاء أبيض جدا
يشبه لون السحاب
قبل أن يخلق الله البشر

أكتر حاجة باكرهها فيكي
إن ضحكتك لما بتطلع
عالية قوي
بتفاجئ العالم
زي شبكة واسعة بتترمي
على نهر ساكن
كل واحد حواليكي
بتتولد جواه لوحة مختلفة
بتبدأ تختار ألوانها
وتتجنب المساحات الفاضية
والزوايا الحادة
أكتر حاجة بيبقى نفسي فيها ساعتها
إني أنا بس اللي يسمع ضحكتك
ويوزعها
أنا اللي أختار لكل واحد لوحته
مش عايز ألوان كتير
أو ضوء مبالغ فيه
أو ورد أصفر
مش عايزه يمشي كمان شوية
واللوحة دي جواه
بيضيف لها من كلامه
ويعدل في شوية حاجات
شايف انها مش شبهه قوي
لحد ما يبعد
وينسى
ويبص جواه فجأة
يلاقي اللوحة دي
يفتكر ضحكتك
اللي ضحكتيها ليه
هو لوحده

قبضته فوق ياقة قميصي كانت قوية رغم ارتعاشها.. ربما كانت قوية بشكل مبالغ فيه.. كان يلف ذراعه الأيسر الضخم حول رقبتي ليضمن بقاء رأسي متجها للأسفل.. في نفس الوقت الذي يتمسك فيه بقميصي حتى يوشك أن يمزقه.. أدهشني أن أفكر في القميص في مثل هذه الظروف..
من فوق بدا ميدان التحرير غارقا في الفوضى.. منذ الصباح لم أعمل لدقيقة واحدة.. تركت اللاب توب مفتوحا فوق مكتبي بصفحة بيضاء فارغة على شاشته.. اقتربت بهدوء من النافذة ممسكا بفنجان القهوة.. كيف يمكنني أن أصف هذا المشهد في افتتاحية المقال.. الشوارع تركض من أمام هراوات الأمن ثم تعاود التجمع من جديد.. الغضب يقذف الأجساد الساخنة على دروع الجنود.. السماء تتصاعد وسط الدخان وطعم القهوة ثقيل كأصوات الرصاص لكنه رغم ذلك لا يذهب الصداع.. فكرت أن أكتب لكنني تذكرت أن الانترنت مقطوع وأنني لن يمكنني وضع شيء على موقع الجريدة الرئيسي فاكتفيت بالوقوف.. وحين داهم المساء غرفة مكتبي كعربة أمن مركزي ضخمة وضعت بعض الماء في أصص الزهور وأغلقت اللاب توب ووضعته في أحد الأدراج.. تركت بدلتي على المقعد ونزلت..
- مالكم انتوا ومال المظاهرات.. انتوا شكلكم ولاد ناس..
كان يضغط بقدمه على الأرض بقوة كمن يجر عربة.. حذاؤه يعلوه تراب كثيف وفي جيب بنطلونه تبدو علبة سجائر ممزقة الأطراف وفارغة تقريبا..
- انت بتاخد كام في الشهر ؟
لا يرد.. أنشغل بمتابعة حذائه وهو يزيح قطع الحجارة الملقاة بكثافة على طول الإسفلت.. لاحظت أن بعضها كبير إلى حد ما..
- هو فيه حد كان بيرمي طوب ؟
- أمال إية.. انتوا عشان كنتوا واقفين في القصر العيني مشفتوش الضرب اللي كان في التحرير
- كله من ولاد الوسخة اللي بيدخلوا وسط المتظاهرين..
أدهشني أنني أقول هذا.. رغبت أن أرى ردة فعله على كلامي لكن وضع رأسي المتجهة لأسفل لم تمكنني من ذلك.. في الحقيقة شعرت بالفضول لأن أرى وجهه الذي اكتشفت أنني لم ألتقط شيئا من ملامحه.. كل ما تحتفظ به ذاكرتي هو صوت خطوات يتصاعد تدريجيا ورجال يقتربون منا ركضا بينما نحاول الهرب في الشوارع الجانبية.. قلة خبرتي بالمظاهرات جعلتني أتساءل إن كانوا رجال أمن أم مظاهرة أخرى تحاول الانضمام إلينا.. كان الشباب في المقدمة يتبادلون الإشارات ويتوزعون بطريقة ما بينما لم تمنحني الذراعان القويتان وقتا للتساؤل.. وجدت رأسي في لحظة ملاصقة للإسفلت واندفع أحدهم يركلني في جانبي وفي ركبتي.. ربما كان هناك أكثر من واحد.. وجدتني أصرخ : والله العظيم ماليا دعوة.. أنا كنت ماشي و... والله العظيم مش معاهم.. بدأت صوتي يقترب من البكاء.. وبدأت المبررات تبدو عبثية..
كانت رقبتي قد بدأت تؤلمني.. أبطأت سرعتي وحاولت التحايل كي أرى ماذا يحدث أمامي.. كان هناك بطول الشارع العديد من الأرجل ذات البنطلونات السوداء.. وأجزاء من هراوات حديدية وعجلات سيارات ضخمة ودماء تغرق الإسفلت في مواضع عديدة.. الأرجل ذات البنطلونات السوداء كانت تنشق أحيانا لتمر سيارات ميكروباص بسرعة محدثة صريرا عاليا.. صرخ شاب : العربية دي غير مخصصة لنقل المحتجزين.. وأنا من... انخطف قلبي وأنا أسمع صوت ضربات تنهال على جسده أعقبه صوت ارتطام وإغلاق للباب.. تذكرت ارتعاش يدي فوق الماوس حين فتحت خلسة موقع " كفاية " وقمت بتشغيل فيديو لبعض المتظاهرين الذين يرتدون الكوفيات ويسبون وزير الداخلية.. قالت أمي : ابن عمك خدوه أمن الدولة ومن ساعتها وهو مش بيكلم حد والله أعلم إنه طلق مراته ومرضيش يتجوز تاني عشان عذبوه تعذيب وحش.. كان قد أسر لي مرة أن زوجته هي التي بلغت عنه.. وحين قلت له إنها كانت حزينة لأجله نظر إلي نظرة غريبة ولم يحدثني بعدها.. جفلت حين ضغط بقدمه على بقعة دماء جافة تاركا بصمة واضحة لحذائه تقطعها خطوط عرضية مستقيمة.. قشعريرة باردة اعترتني فجأة.. أصبح ألم رقبتي لا يطاق وأصبحت أتنفس بصعوبة..
- شيل إيدك أنا جاي معاك..
لاحظت أنه بدأ يضغط أكثر على قميصي ربما خشية من أن تكون هذه محاولة للهرب.. قبضته فوق ياقة قميصي كانت مرتعشة رغم قوتها.. كنت قد تمكنت من رفع رأسي قليلا لكنه جاهد كي يظل وضع ذراعيه كما هو.. ومن بعيد كنت أرى المدرعات وعواميد الماء المرتفعة والدخان.. ذلك الدخان كان غريبا.. كانت القنابل تنهال من أعالي البنايات ومن المدرعات المحاصرة فتتسع صفوف الغاضبين ويتراجع الجنود حاملين حواجزهم خطوة إلى الخلف.. ربما تساءلت وقتها.. من يلقي بالدخان على من..
- والله ياباشا ماباخد أكتر من 200 جنيه.. وعلاج الحاجة لوحده عايز مرتب فوق مرتبي.. احنا اللي مالناش ذنب.. إحنا يعني نكره إن الحاجة ترخص..
رفعت رأسي أكثر.. كان هناك المزيد من الجنود الذين يشبكون أذرعتهم ليشكلوا حاجزا متوترا حولنا رغم أننا لم نكن نتعد العشرين.. اللافتات محطمة وبعض سيارات الشرطة تشتعل فيها النيران.. وجدتني أحدق في إشارة مرور محترقة ذات ثلاث دوائر سوداء.. أصبح تنفسي أهدأ رغم الغاز وأصبحت ركبتاي تتحركان بخفة دون ألم.. وحين خف ضغط يده قليلا على قميصي اكتشفت أنني كنت أقوده للأمام..
- يلا.. اخلع.
حين اقتربنا من سيارة الميكروباص وغمرنا زحام الضباط والمحتجزين أشار لي أن أبتعد.. مضيت بخطوات بطيئة دون أن أنظر خلفي.. وحين لمحت شارعا جانبيا انطلقت أعدو..
تغيير .. حرية .. عدالة اجتماعية
عادت خطوتي إلى التباطؤ.. كان الجنود والمدرعات يتوجهون لمحاصرة ميدان التحرير.. بقدمين خفيفتين مشت رائحة الغاز سالكة شارعا جانبيا ضيقا فتبعتها..