
.منى..
يا فندق النور الصغير , الواقف قرب البحر...احكِ لي :
أين يخبئ الله اللعبَ يا منى ؟
إلى الآن ....كلما مررت جوار الفتارين الملآنة بالأكياس المكتنزة بالعربات و الجنود و الغابات , أفكرُ أن أمرر قبضتي في الزجاج ثم أفرق الأكياس المُترِبة على الناس..
سأحتفظ لي بكيس الجنود الصغيرة..
أنا لن أدفنهم في الثلج , و لن أعلقهم على الأسلاك الشائكة من بزّاتهم..
سأرتبهم هكذا حولي كالدموع الخضراء الصغيرة , أخبرهم أن الحرب قد انتهت ,وأنه قد عاد كل الجنود إلى بيوتهم البعيدة..
سهروا مع الأهل و ارتدوا ملابس النوم
فيلقي جنودي أسلحتهم الصغيرة ويتنهدون و يجلسون على الأرض و يبكون بلوعة...
أين خبأ الله اللعبَ يا منى ؟
في الطريق إلى المسجد , الذي يشبه قلعة قديمة , مرت قافلة ٌ طويلة سوداء من الدراجات البخارية..
قافلة طويلة من الخوذات المعتمة...توقفوا كلهم قبل أن أعبر الطريق ...تقدم قائدهم و خلع خوذته , قال دون أن يرمش:
نحن خائفون جدا..
أشرت إلى المسجد , الذي يشبه قلعة قديمة..
تشبه تلك التي أراها في المرآة
قبل أن أهذّب لحيتي
أخبريني بما أنكِ أنتِ , أين يمكن أن تحتفظ الملائكة بكل هذه الكتل السوداء من ذنوبنا , التي ينحتها الناس بالأسفل , بعيدا عن الألواح البيضاء القليلة ْ..
أين يحتفظون بكل هذه الأحجار بعيدا عن حديقتكِ المسوّرة بالورد , تلك التي أفتعل كطفل ملطخ بالحلوى أن " لا شيءَ " لتصففي لي شعري بكفكِ و تمسحين وجهي و تأخذينني إليها , نجلس و تحكين لي عن نوافذ مضاءة بعيدة...
أفتعل كثيرا , كي لا يبدو على الأقل كم أنا أحدب إلى جوار كائن النور الذي يمسك كفي , و ينتظر جواري لنعبر الطريق كأنني أنا الذي سأحميه من السيارات النهمة المتغوّلة..
لا تتركيني وحدي إذن , حين تحط أمطار ديسمبر على المدينة ..فتدق بعنف على مفاتيح الرصيف الممتدة , البيضاء و السوداء..
تدق أرواحا ضئيلة ًمذعورة ً, تتصاعد لأعلي
أمطار ديسمبر يا منى
لا تدع جذعا مجوفا يمر هكذا في الطريق
أمطار ديسمبر تختبر ضجيجه المكتوم
تدق على الجبهة و تنقر على الصدركي يسمعه المارة...
أمطار ديسمبر
عازف البيانو العنيف
_ أريد أن أخبركِ أنكِ..
بينما تحافظين على وِردكِ مع أطفال الملائكة
الراغبة في تعلم الغناء
و تتمتمين عني
أنا..أجهل كيف لا يوشون بي..
أنا الذي أسيرُ فأحمي وجهي براحتي..حين تتقافز حولي أمطار ديسمبر , على الأفاريز , على الأسفلت ,
كذنوب غاضبة
ملقاة توا من السماء..
_منى..أنا لا أحاول أكثر من أخفت ؛ فلا تلاحظين صوتي
متوترا و مذنبا
يحاول أن يتخلص من القلق
فينفلت و يشي بي
أنا أفتعل أنك لا تعرفين...
أنتِ..تمسكين يدي لنعبر الطريق
نتابع أمطار ديسمبر تغسل الكون.
.أمطار ديسمبرحين تراكِ , تغفرُ لي
تتركني أمر و تدق على مفاتيح الرصيف بهدوء
,إيقاعات خافتة طويلة..
كل ليلة ٍ , أغمض و ألعب ذات اللعبة..:
من فوق البناية الشاهقة في " تل أبيب " , أسدد البندقية إلى رأس الضابط الكبير...
أخلف في رأسه ثقبا أحمر كالطابع
و أنثر حوله الدم على الوجوه الحليقة تصلني التهنئة على الفور , في إذني , عبر السماعة الصغيرة
أضع بندقيتي و أنام مرتاح الضمير..
عند صديقي ...أذاكر ُ و أسمع الجارات يضحكن و أرى البرج من الشرفة ْ..
أمامي شحنة كبيرة من الحقائق ...حقائق ..حقائق ُ..حقائق ُ ,
الطب _ جذع الـشجرة الضخم _ ينهض لتسّاقط من فروعه الحقائق..
الحقائق ُ :
مريض القلب يحتاج لفراشة ضخمة تودع برفق بين رئتيه,
مريض العينين ينتظر مطرا صباحيا , ينقر على الجبهة ,
مريض الكبد نغرس في كبده وردة ,
مريض الزهايمر يحتاج إلى قبلة مفاجئة في شفتيه , قبلة عميقة و طويلة ,
تضحك الجارات , أفكر في قاعات البرج المضاءة كثقوب متتابعة , أفكر أنها هنا أفضل ُ كثيرا ,
من هناك...
فوق.... في شرفاتها البعيدة..
كل شيء من هنا و الآن أفضل كثيرا ...كوبري قصر النيل , منى , البرج , شرفة الجارات....حقائق حقائق حقائق ُ..
.أنا لا أريد الحقائق..أنا أريد ظلها الطويل على قلبي...
أنا..أفكر في المصاعد الخاوية , التي تفتح أبوابها فجأة ًللا أحد , ترنُ , تغلق و تنزل , في الأصدقاء الذين على الماسنجر , خاوين أمام الشاشات , كلهم موجودون , كلهم وضع على الآخر block .
أفكر في الوحشة التي تطفر من هاتفي , و تنساب من فتحاته , فأصحو و أجد حوله بركة صغيرة_ فأعرف أن أحدهم بالأمس , في مكان ما , رفع الهاتف إلى أذنه و بكى
_أنا موجعٌ من الشجر البعيد في آخر الحديقة , لا يراه أحد سوى السورأريد أن أراه , أريد أن أنقش عليه اسمي الذي لن يراه هناك أحد ,
و لكني أخاف من الظل و من غبش آخر النهار و من قائمة الأيقونات الرمادية الميتةعلى الماسنجر , وأخاف من المصاعد , الخاوية , التي تفتح أبوابها فجأة للا أحد , ترنُ.., تغلق و تنزل..منىيا فندق النور الصغيرهل سمعتيني ؟.
للرائع
محمود عزت