الأحد، ٢٩ يناير، ٢٠١٢

سمراء عند الملامسة




 




مستديرة.. يمكن أن تنظر إليها من أي اتجاه فتراها مكتملة.. سمراء.. تحتضن الصخب الذي يدور بقلبك ولا تزعجك بالمزيد منه.. لاذعة كالحنين المفاجئ .. ناعمة كابتعاد الحنين المفاجئ.. خفيفة كأقدام طفلة فوق الرمل.. ممتلئة كالرمل..
نصف ساعة كاملة مرت وأنا أتأمل بائع الفاكهة الصغير من نافذة قاعة المحاضرات المزدحمة.. يده الصغيرة تقلب البرقوق بحرص كأنه يخشى عليه من الخدش.. ابتسمت وأنا أتصور أنه يبحث عن يده الحقيقية وسط الأكف السمراء الضئيلة التي تصافحه بفرح.. لمست زجاج النافذة.. كان ساخنا ومتوهجا بفعل الشمس.. أدركت أنه آخر يوم لي بالجامعة. وحين غربت شمس اليوم الثاني كنت أمر تحت هذه النافذة.. فوق دراجة صغيرة أبيع ثمار البرقوق البارد  

........................

لم يعلمني أحد لمس الروح.. لا الغجرية التي كانت تمر بقريتنا لتلمس أكف النساء ولا المجذوب الذي كان يجعل السماء تهتز قليلا كعباءته ويجعل لها رائحة دافئة.. ولكنني حين كنت صغيرا.. قالت لي أمي إن الله قد أنشأ السماء فوق النخل.. سماء حنون قريبة المنال.. لذلك حين كنا نهز النخلة فيسقط البلح فوق رؤوسنا.. كنت أحسبه المطر.. كان المطر أسمر.. دافئا يملأ الجيوب ويدفئ القلب.. كان بهجة حقيقية سخية الحضور ولا تتسرب من بين الأصابع.. كان هذا قبل أن أصادف مطرا آخر يأتي من سماء أبعد.. بارد ومتعجل على الرحيل.. لم أحبه يوما.. ولم أره سوى مدع.. اعتدت دائما أن أطفئ أنوار المنزل كلما أتى كي لا يراني..  


........................


المرأة التي تسكن أعلى طابق في البناية رفضت أن تأخذ مني الباقي.. قالت إنني أشبه رجلا كان يحبها.. كانت ترتدي نظارة طبية سميكة وتعلو جبهتها وذراعيها بقع بيضاء كبيرة.. قالت إنه كان يعابثها أحيانا ويتظاهر بأنه بائع ورد.. لكنه تركها منذ عامين : قال إنني مريضة بالضوء.. وهذا حق.. فنظري ضعيف ولا أنجب إلا أطفالا موتى بلا روح.. أخبرتها أنني كنت أدرس بكلية الطب.. ونصحتها أن تسكن بشقة أقل ارتفاعا.. في شارع أقل عرضا.. وأن تكثر من الاغتسال ليلا.. وتناول البرقوق.. ضحكت بصوت عال.. وظلت واقفة بباب شقتها يصلني صوت ضحكها حتى وصلتُ إلى مدخل العمارة..


........................

لو أنني طريق.. سأتفق مع الشمس وأعمدة الإنارة على إجازة يومية أخلو فيها إلى نفسي.. لو أنني هاتف.. سأكون ناعما على الأذن كي لا يصابوا بالتوتر ويضطروا لتعلية أصواتهم.. لو أنني فرس.. لن أملأ رئتي بالكثير من هواء الصحراء.. لو أنني حلم.. لن آتي إلا ليلا.. لو أنني شجرة.. سأهب البرقوق طازجا بلا مقابل.. يا صديق.. ألم ينبهك أحد إلى أن تحلم بحذر ؟

........................


أصبح زبائني الآن يعرفونني وأعرفهم.. ينتظرونني وأنتظرهم.. يقف أحدهم عند الغروب في شرفته مبتسما كالهلال موقنا من قدومي.. لم يعودوا يسألونني لماذا تركت الجامعة,. ولا كيف آتي بكل هذا البرقوق حتى في غير مواسمه.. ولم أعد أسألهم لماذا أصبحت اجسادهم أكثر نحولا رغم أن عيونهم أصبحت متألقة وأصواتهم تنطلق في خفة.. ولا لماذا لم يعودوا يضعون ملابسهم على حبال الغسيل نهارا وإنما بعد الغروب فيما يجمعونها قبل شروق الشمس.. النظرة الواحدة بيننا تكفي.. تبوح بأننا نعرف أننا نعرف.


........................

   يجب أن تشبه الجنة فتاة سمراء كالمغيب.. هناك حيث تعيش الروح بأقل ضوء ممكن.. الروح تكره الضوء.. هو يؤذيها.. يكتم أنفاسها ويصيبها بالعمى.. زبائني الآن أصبحوا يعرفون.. يعرفون حكاية السحاب .. بائع البرقوق العجوز الذي لا يتحدث إلا حين ينضج قلبه الأسمر.. السحاب الأبيض أخرس كأسماك الزينة.. يعرفون حكاية الكعبة.. الجنة السمراء التي نلمسها ونحن نرتدي الأبيض كي نخفي أرواحنا.. فقط الأبيض.. فالله يعلم ما قد يحدث إذا خلع أحدهم رداءه.. لتبزغ روحه السمراء وتنظر في وجه الكعبة فتقفز كنبع.. تحلق كأجنحة جبريل تاركة جسدا مفتوح المسام بالأسفل بلا حراك.. زبائني لم يعودوا يتسرعون بإشعال الضوء حين يشعرون بحركة غريبة في الليل.. زبائني يعرفون حكاية الضوء.. الذئب الفضي المتربص فوق الزر كي يقفز عليها ويغرس فيها أنيابه اللامعة.. يحملها بعيدا.. الضوء.. خطيئتنا الدائمة..

........................

لو أنني مطر.. لن أتعجل العودة مهما حرقتني الشمس.. سأتمهل قليلا بين أصابع الأقدام.. حيث الصمت الدافئ الذي تخبئونه عن أنفسكم.. قليلا بما يكفي لأن ينبت البرقوق الصغير وينظر إليكم بملء عينيه كطفل.. ثم أموت بابتسامة خفيفة.




الجمعة، ٢٠ يناير، ٢٠١٢

11 فبراير





في لحظة
كان ضوء
يملأ الرئات
ضوء أبيض بشدة
جعل المكان أكبر
والأصابع أكثر دفئا
والخيام طفلة مثل ورد أبيض



أمسكنا الشمس
فوجدناها عربة محملة بالذهب
ضحكنا
ووزعناه على الواقفين في نقاط التفتيش
صافحنا الأيادي الهابطة من السماء
واكتشفنا أنها
- كل هذا الوقت –
لم تكن تريد ان تسرق قمصاننا
ولا أن تأخذنا لأعلى
هي فقط تريد أن تصافحنا



في لحظة
اختفى العرج البسيط
من مشية الضابط
الواقف بقرب المتحف
ذلك العرج الذي لم يلاحظه غيري
بينما وقف زوج من الحمام على كتفيه
وجلس الرجل ذو الجلباب الأبيض
مستندا على عمود الإضاءة
يقرأ الحرافيش
وبدت لحيته أقصر
ورفعت السيارات أعلاما صغيرة مبتسمة
السيارات التي تمر على الجهة المقابلة من النيل
وخففت من سرعتها كي ترانا




في لحظة
مر عبرنا
خفيفا
كالجروح التي تزهر في أجسادنا
في أول العشق
ثقيلا
كأوراق المطالب الثورية



لم نعد نخشى بيوتنا /
مرايانا /
طعامنا /
صور الجرائد /
تعليقات زملاء العمل
وراكبي الأتوبيس /
اللهب الصغير الذي قد يصيبك
في ظهيرة الجمعة
إذا كنت جالسا إلى جوار المنبر



في لحظة
كان ضوء
تجمع حوله بائعو الأعلام
والمصورون
أعادوا تغليفه
ووزعوه على المغادرين
في أقفاص ذهبية
سيكون بإمكانهم من الآن
أن ينعموا ببعض الأحلام السعيدة
والقدرة على ممارسة الحب
والشرود أثناء القراءة
والهضم البطيء لطعام الإفطار
وأن ينظروا إلى الميدان الواسع في التلفاز
فيروا أنفسهم لا يزالون هناك
يلوحون في غضب كأبطال حقيقيين



ضوء خفيف
رأيناه وحدنا
قبل أن نغادر
جالسا
على الرصيف المواجه للمستشفى الميداني
متعجبا من محاولاتنا
ومتأملا بنظرة جامدة
اللافتات الصارخة
وهي مكومة على الأرض
تتثاءب وتنظر إلى الطريق في ملل
اللافتات العملاقة
التي كانت منتشرة في الميدان
كمردة غاضبين

الخميس، ١٢ يناير، ٢٠١٢

غيرني .. شكرا












الشيخ عماد عفت وعلاء عبد الهادي ومينا دانيال .. أحمد حرارة ومالك مصطفى وعاطف يحيى .. غادة كمال وسميرة إبراهيم وفريدة الحصى .. علاء عبد الفتاح ونور أيمن نور ونوارة نجم ومحمد هاشم .. جرافيتي على الحيطان وعروض داتا شو في الشوارع ومسيرات نسائية وسقوط لمرشحي الفلول التاريخيين .. أنصاف بشر خارجين من تحت المدرعات وأرباع بشر بيتفضحوا يوميا على اليوتيوب .. مليون عضو على شبكة رصد و2 مليون عضو على صفحة كلنا خالد سعيد .. احترام لنتائج الانتخابات وتحدي للآلة القمعية مدنية كانت أم عسكرية .. شكرا للمجلس العسكري على إعادة اكتشاف الشعب المصري

الاثنين، ١٩ ديسمبر، ٢٠١١

يلعن أبو كل اللي حاسين بالأمان





معاده كام القطر دة
ياشيخ عماد
فاتني معاد ووراه معاد
وكل مرة أجرى بتكعبل في ضلي
ينجرح كعبي وينزل زفت إسود
أقول خلاص :
بكرة من اليوم مش بعيد
وبكرة يبعد



فاتني أدان ووراه أدان
ياشيخ عماد
والميا متحاشة وكل ترابنا متنجس بخطاوينا
قول لي على مطرح عشان أتوضى يمكن ألحقك
دانا جريت
والله ياما جريت ورا السماوات
اللي شاورتلي في عيونك
وانت مادد لي من الشباك
دراعك الأبيض كما قلب الغريب
أبيض كما ورد الفساتين
كراسات الرسم
طعم الضحك
شوق الغلبانين لرخام رسول الحق
وجع المسك في دم الولاد
إلا قول لي
ريحته إية المسك دة
ياشيخ عماد
وجعاني أيامي
وواجعني دراعك الأبيض الشفاف كما شمس الضحى
وانت بتطبطب على دموعي وتقرا :
" جاء من أقصى المدينة "
خبيني منك يا إمام
ومن دراعك لحسن ألمح صورتي فيه
أو اشوف محمد نفسه يعرف : لية جرينا
هو انا علمتكم : إن العمى ينفع ملابس داخلية لضعفكم ؟
علمتكم : إن السما العريانة أشرف م البنات المقتولين
مع كل لقطة معادة في عنيكوا الجبانة ؟
وإن كتم الحق حكمة مش خيانة ؟



خبيني من عين النبي
ياشيخ عماد
يا آخر اللبس الجديد
وآخر الأعياد
يا آخر الناس اللي حنصلي وراهم
مش شاغلنا غير دموعنا
والدعاء وقت السجود
يا آخر الجدران من ريحة الجدود
وآخر قزازة مسك فاتها لنا الإله
علشان نصونها لجل لحظة زي دي
لما الكلاب تنقض وضوءنا
أو منافق يملا كرشه من شرفنا
ويناقشنا في " الحدود "



يا شيخ عماد
تقلت هدومنا فوق كتافنا
لما دبنا في عناوين الجرايد
صبحت مفاصلنا سجاير فرط
ما بين العساكر والمشايخ واللي راكبين ع اليفط
غصبونا عسكر بعد عسكر بعد عسكر
يا إلهي – تقولش فاكريننا قطط
حرمونا حتى حقنا في الاغتسال من ريح جلودهم
حرمونا حتى حقنا في جنين نضيف
له أب معلوم النسب
غصبونا عسكر بعد عسكر بعد عسكر
والنجس له ألف أب
وسبتنا ياشيخ عماد
مين اللي راح يكتب كتابنا ع النهار
ونقول وراه
على مذهب أبي حنيفة
مين اللي حياخدنا لقبلتنا الشريفة
مين اللي حيصحينا من تقل الهدوم
علشان نصلى الفجر حاضر
يمكن النور من عيونه يعود لأيامنا الكفيفة



يا شيخ عماد
سامح لساني
يلعن أبوهم كلهم
يلعن أبو كل اللي نام عن يوم عزاك
وساب جنازتك للتلامذة والحمام والشمس
نيابة عنا
يستسمحوا المولى بما لا نفقهه
يلعن أبو كل اللي عامل نفسه مش شايف
مع إن دمك لسة بيشاور على القاتل : أهو
يلعن أبو كل الدقون العيرة
واليفط الكبيرة
واللي بيخزن قزايز البيرة قبل ما يمنعوها
يلعن أبو كل اللي ما شاف أمه في اللي قلعوها
يلعن أبو كل التفاسير والدوافع
والمجاهيل والأصابع
والجزم برة الجوامع
والجنانين والشوارع والغيطان
يلعن أبو كل اللي حاسين بالأمان

الثلاثاء، ١٣ ديسمبر، ٢٠١١

ويسألونك عن الدفء

قلت لها.. عندما نظرت إلى السماء المتسعة بخوف ورفضت أن تصاحبني :

السماء ليست باردة كما تظنين.. السماء دفء مجمد.. صنعته - مع السنين - آلاف من الأحلام المؤجلة.. حين تتنهدين.. ينسكب.. خفيفا خفيفا.. يطفئ المشاجرات الصغيرة.. يروي زهور الشرفات.. يملأ حصالات الأطفال ورئات العاشقين ومقاعد السينما.. ويغرق الحروف المتشابهة الممتدة بلا نهاية في ورق الخطابات.. ويسبب ارتفاع منسوب البحار.. فتغرق الجزر الكبيرة.. بينما الجزر الصغيرة تتسع ..

وباستخفاف.. ربما يذكر السادة الذين يحملون المظلات.. بأنهم ليسوا في أمان ..

................................

أول مرة لسعني ثلج القلب حين وجدتني أزيد من حرارة ماء الاستحمام.. بعد يومين من الرحيل.. كنت أكره الماء الساخن قبلها.. وأقول إنه حيلة الوحيدين إذ يرغبون في أنفاس دافئة ولون وردي في الأطراف.. وإنه يشبه مضاجعة الهواء.. وآخر مرة لسعني ثلج القلب حين أخبرتني صديقة أخرى أن غرفتي تسرقني.. وأنني يجب أن أبحث عن مكان آخر للكتابة غير تلك التي أدخن فيها نفسي كسيجارة مؤلمة لا تنتهي.. أقلعت عن التدخين بعدها ولم نر بعضنا البعض ونسيت ما قالته بشأن الغرفة..

................................

قلت لها .. حين اشتكت لي من صغر حجم المدفأة :

ضعيها على الأرض.. وقفي حافية في مواجهتها.. لا الغرفة تهم ولا حتى قلبك أو أطراف شعرك.. المهم أن يدخل الدفء قدميك.. فإن غمر الدفء قدميك صارت نوافذك شموس وصارت شموسك نوافذ .. وإن عرى الضوء ما بين أصابع قدميك صار قلبك سربا من فراشات بيضاء.. الدفء سماؤنا الثامنة التي تنطفئ أحلامنا قبل الوصول إليها.. الدفء إرث الكواكب قبل أن يخلق البشر.. إرث ثقيل.. فسيري عليه ولا تحمليه ..

................................

ويسألونك عن الدفء.. قل هو خمر الفقراء السائرين إلى الله إذ توشك الروح أن تلمس طرف عباءته باليدين.. وما أوتيتم من الروح إلا قليلا..

ويسألونك.. قل هو ابتداء اللقيا بين الروح والجسد دون أن يعرف أحد أيهما يأخذ الخطوة الأولى.. هل تترك الروح صحراءها السماوية وتبحث عن جسدها أم أنه يترك مطرقة الدقائق ويبحث عنها.. هو أول بعث بعد ألف موت خفي.. أول شمس تملأ رائحتها ملابسك بعد ألف صباح لا يتعد زجاج النافذة.. أول من يفتح بوابات الروح.. هو يسبق النية وقت الصلاة.. ويسبق انفراط رمان الخيال وقت ممارسة الحب.. ويسبق إغماض العينين وتنسم رائحة القهوة وقت التذكر.. هو أول أشكال الكائنات قبل أن تحبسنا الذاكرة في رأس وأطراف.. هو أول أشجار القلب.. ومواسم الشعر.. ومراتب الجنة..

................................

لم أقل شيئا.. حين أخبرتني أنها تسكب الماء يوميا لريحان الشرفة مثلما اعتادت منذ كانت لنا شرفة واحدة.. رغم برودة قارسة تغلف شرفتها الجديدة.. فقط قمت بهدوء لأفتح باب شرفتي.. رأيتها.. كما تركتها آخر مرة.. الشمس الصغيرة في منتصف طريقها للصعود.. وقد علقت بين أغصان الشجرة المواجهة.. كانت تملأ كل مجال الرؤية ضياء أبيض.. كان هناك شجرة بيضاء وسور شرفة أبيض وقمصان بيضاء معلقة فوق الحبل الأبيض وطرف كوفية أبيض وأصابع بيضاء رغم دفئها.. كان قويا حتى أنه كان ينفذ خلال جسدي وأحسه ملامسا للجدار الأمامي للقلب.. أنفاسي كانت دافئة وتشعرني برغبة في الضحك.. تشجعت أكثر و قربت يدي ببطء.. كانت ناعمة كالقطن يعلوها زغب أصفر هش ما إن ألمسه حتى يتناثر حولي نجوما صغيرة تسقط على الأوراق أو سور الشرفة أو على قدمي الحافيتين فيرتعش جسدي وأتراجع ثم أقترب من جديد.. لم تكن ملتهبة كما توقعت.. كانت ساخنة كرغيف مستدير خارج لتوه من الفرن.. شعرت بالجوع.. اقتربت.. كان الوهج الأبيض قد أرهق قلبي ولكني جازفت وعانقتها.. كانت خفيفة الوزن.. مررت يدي بين الأغصان فاندفعت الكرة برفق لأعلى كبالون الهيليوم.. ظلت تبتعد وتسخن وتتغير ابتسامتها لتأخذ هيئة جادة تليق بشمس ظهيرة..


الثلاثاء، ١٨ أكتوبر، ٢٠١١

ماسبيرو


عند هذه النقطة تحديدا

سأتوقف



سأقول : أنا ليس هو
ذلك الذي يأتي الأطفال لكي يرسموه

بعد أن يسكبوا لون أرواحهم على الصفحة

سأقول : ظللت طويلا هنا

ألون السماء كل يوم

أحفظ الأسرار

أملأ فراغات الأرواح

ببديل أقل برودة من الوحدة


حفظت اهتزازات النخل

ملمس أعمدة الحديد

الكلمات الأخيرة للغرقى

رائحة البنات التي تهبط سلم الشهوة

إلى كتفي



لا أنكر أنني قد قضيت أوقاتا طيبة

تؤنسني الأغاني الشعبية من المراكب

وتدفئني زوارق الصيد الصغيرة

التي تتسلل إلى جيوبي

وأنني قد أحببت ذلك الدبيب

لخطو العاشقين المستندين إلى ضلوعي المتوازية

وأن الشوارع من هذه البعد

تبدو تافهة وبائسة إلى حد رائع

لكنني سأتوقف الآن


سأقول :لقد خدعني مرتين

لم يخبرني أنني

سيكون علي أن أتحمل

أشياء بهذا الثقل

كماسبيرو

وورد ذبل في أيدي الباعة

وأشياء بهذه الخفة

كأيد ذكورية تتسلل تحت جيبة فتاة

أو مدرعة تمتلك القدرة على الطيران

فوق عيون الأطفال


سأروي :

ذات يوم

ترك ولد كف بنت وقفز

فقايضه النيل

إما الغرق

أو " تأدية عمل بسيط "

ثم تركه معلقا

وركض خلف البنت

تلك التي كانت ترتدي حذاء أبيض جدا

يشبه لون السحاب

قبل أن يخلق الله البشر

السبت، ٢٥ يونيو، ٢٠١١

عالية قوي


أكتر حاجة باكرهها فيكي


إن ضحكتك لما بتطلع


عالية قوي


بتفاجئ العالم


زي شبكة واسعة بتترمي


على نهر ساكن


كل واحد حواليكي


بتتولد جواه لوحة مختلفة


بتبدأ تختار ألوانها


وتتجنب المساحات الفاضية


والزوايا الحادة


أكتر حاجة بيبقى نفسي فيها ساعتها


إني أنا بس اللي يسمع ضحكتك


ويوزعها



أنا اللي أختار لكل واحد لوحته


مش عايز ألوان كتير


أو ضوء مبالغ فيه


أو ورد أصفر


مش عايزه يمشي كمان شوية


واللوحة دي جواه


بيضيف لها من كلامه


ويعدل في شوية حاجات


شايف انها مش شبهه قوي


لحد ما يبعد


وينسى


ويبص جواه فجأة


يلاقي اللوحة دي


يفتكر ضحكتك


اللي ضحكتيها ليه


هو لوحده

الاثنين، ٧ فبراير، ٢٠١١

ثلاث دوائر سوداء



قبضته فوق ياقة قميصي كانت قوية رغم ارتعاشها.. ربما كانت قوية بشكل مبالغ فيه.. كان يلف ذراعه الأيسر الضخم حول رقبتي ليضمن بقاء رأسي متجها للأسفل.. في نفس الوقت الذي يتمسك فيه بقميصي حتى يوشك أن يمزقه.. أدهشني أن أفكر في القميص في مثل هذه الظروف..

من فوق بدا ميدان التحرير غارقا في الفوضى.. منذ الصباح لم أعمل لدقيقة واحدة.. تركت اللاب توب مفتوحا فوق مكتبي بصفحة بيضاء فارغة على شاشته.. اقتربت بهدوء من النافذة ممسكا بفنجان القهوة.. كيف يمكنني أن أصف هذا المشهد في افتتاحية المقال.. الشوارع تركض من أمام هراوات الأمن ثم تعاود التجمع من جديد.. الغضب يقذف الأجساد الساخنة على دروع الجنود.. السماء تتصاعد وسط الدخان وطعم القهوة ثقيل كأصوات الرصاص لكنه رغم ذلك لا يذهب الصداع.. فكرت أن أكتب لكنني تذكرت أن الانترنت مقطوع وأنني لن يمكنني وضع شيء على موقع الجريدة الرئيسي فاكتفيت بالوقوف.. وحين داهم المساء غرفة مكتبي كعربة أمن مركزي ضخمة وضعت بعض الماء في أصص الزهور وأغلقت اللاب توب ووضعته في أحد الأدراج.. تركت بدلتي على المقعد ونزلت..

- مالكم انتوا ومال المظاهرات.. انتوا شكلكم ولاد ناس..

كان يضغط بقدمه على الأرض بقوة كمن يجر عربة.. حذاؤه يعلوه تراب كثيف وفي جيب بنطلونه تبدو علبة سجائر ممزقة الأطراف وفارغة تقريبا..

- انت بتاخد كام في الشهر ؟

لا يرد.. أنشغل بمتابعة حذائه وهو يزيح قطع الحجارة الملقاة بكثافة على طول الإسفلت.. لاحظت أن بعضها كبير إلى حد ما..

- هو فيه حد كان بيرمي طوب ؟

- أمال إية.. انتوا عشان كنتوا واقفين في القصر العيني مشفتوش الضرب اللي كان في التحرير

- كله من ولاد الوسخة اللي بيدخلوا وسط المتظاهرين..

أدهشني أنني أقول هذا.. رغبت أن أرى ردة فعله على كلامي لكن وضع رأسي المتجهة لأسفل لم تمكنني من ذلك.. في الحقيقة شعرت بالفضول لأن أرى وجهه الذي اكتشفت أنني لم ألتقط شيئا من ملامحه.. كل ما تحتفظ به ذاكرتي هو صوت خطوات يتصاعد تدريجيا ورجال يقتربون منا ركضا بينما نحاول الهرب في الشوارع الجانبية.. قلة خبرتي بالمظاهرات جعلتني أتساءل إن كانوا رجال أمن أم مظاهرة أخرى تحاول الانضمام إلينا.. كان الشباب في المقدمة يتبادلون الإشارات ويتوزعون بطريقة ما بينما لم تمنحني الذراعان القويتان وقتا للتساؤل.. وجدت رأسي في لحظة ملاصقة للإسفلت واندفع أحدهم يركلني في جانبي وفي ركبتي.. ربما كان هناك أكثر من واحد.. وجدتني أصرخ : والله العظيم ماليا دعوة.. أنا كنت ماشي و... والله العظيم مش معاهم.. بدأت صوتي يقترب من البكاء.. وبدأت المبررات تبدو عبثية..

كانت رقبتي قد بدأت تؤلمني.. أبطأت سرعتي وحاولت التحايل كي أرى ماذا يحدث أمامي.. كان هناك بطول الشارع العديد من الأرجل ذات البنطلونات السوداء.. وأجزاء من هراوات حديدية وعجلات سيارات ضخمة ودماء تغرق الإسفلت في مواضع عديدة.. الأرجل ذات البنطلونات السوداء كانت تنشق أحيانا لتمر سيارات ميكروباص بسرعة محدثة صريرا عاليا.. صرخ شاب : العربية دي غير مخصصة لنقل المحتجزين.. وأنا من... انخطف قلبي وأنا أسمع صوت ضربات تنهال على جسده أعقبه صوت ارتطام وإغلاق للباب.. تذكرت ارتعاش يدي فوق الماوس حين فتحت خلسة موقع " كفاية " وقمت بتشغيل فيديو لبعض المتظاهرين الذين يرتدون الكوفيات ويسبون وزير الداخلية.. قالت أمي : ابن عمك خدوه أمن الدولة ومن ساعتها وهو مش بيكلم حد والله أعلم إنه طلق مراته ومرضيش يتجوز تاني عشان عذبوه تعذيب وحش.. كان قد أسر لي مرة أن زوجته هي التي بلغت عنه.. وحين قلت له إنها كانت حزينة لأجله نظر إلي نظرة غريبة ولم يحدثني بعدها.. جفلت حين ضغط بقدمه على بقعة دماء جافة تاركا بصمة واضحة لحذائه تقطعها خطوط عرضية مستقيمة.. قشعريرة باردة اعترتني فجأة.. أصبح ألم رقبتي لا يطاق وأصبحت أتنفس بصعوبة..

- شيل إيدك أنا جاي معاك..

لاحظت أنه بدأ يضغط أكثر على قميصي ربما خشية من أن تكون هذه محاولة للهرب.. قبضته فوق ياقة قميصي كانت مرتعشة رغم قوتها.. كنت قد تمكنت من رفع رأسي قليلا لكنه جاهد كي يظل وضع ذراعيه كما هو.. ومن بعيد كنت أرى المدرعات وعواميد الماء المرتفعة والدخان.. ذلك الدخان كان غريبا.. كانت القنابل تنهال من أعالي البنايات ومن المدرعات المحاصرة فتتسع صفوف الغاضبين ويتراجع الجنود حاملين حواجزهم خطوة إلى الخلف.. ربما تساءلت وقتها.. من يلقي بالدخان على من..

- والله ياباشا ماباخد أكتر من 200 جنيه.. وعلاج الحاجة لوحده عايز مرتب فوق مرتبي.. احنا اللي مالناش ذنب.. إحنا يعني نكره إن الحاجة ترخص..

رفعت رأسي أكثر.. كان هناك المزيد من الجنود الذين يشبكون أذرعتهم ليشكلوا حاجزا متوترا حولنا رغم أننا لم نكن نتعد العشرين.. اللافتات محطمة وبعض سيارات الشرطة تشتعل فيها النيران.. وجدتني أحدق في إشارة مرور محترقة ذات ثلاث دوائر سوداء.. أصبح تنفسي أهدأ رغم الغاز وأصبحت ركبتاي تتحركان بخفة دون ألم.. وحين خف ضغط يده قليلا على قميصي اكتشفت أنني كنت أقوده للأمام..

- يلا.. اخلع.

حين اقتربنا من سيارة الميكروباص وغمرنا زحام الضباط والمحتجزين أشار لي أن أبتعد.. مضيت بخطوات بطيئة دون أن أنظر خلفي.. وحين لمحت شارعا جانبيا انطلقت أعدو..

تغيير .. حرية .. عدالة اجتماعية

عادت خطوتي إلى التباطؤ.. كان الجنود والمدرعات يتوجهون لمحاصرة ميدان التحرير.. بقدمين خفيفتين مشت رائحة الغاز سالكة شارعا جانبيا ضيقا فتبعتها..