لون قلبك
مر عليهم بينما يضعون أطرهم الخشبية ويرسمون.. يعيدون تعريف المعاني المعقدة واكتشاف ذواتهم الغائرة.. يصرخون في ألوان ساخنة دامية.. أو يستلقون بلطف في ألوان باردة ناعمة.
وحده وضع إطاره الفارغ حول قطعة من الجدار.. تساقط طلاؤها كاشفا عن قطع حجرية بلون الشفق.. وقع بأحرف اسمه الأولى.. وانصرف.
خفة
في المعبد الدائري فوق هضبة التبت.. وفي الدير متشقق الجدران في الصحراء.. وفي صومعة الرجل الزاهد القريبة من البحر.. كانوا يفعلون نفس الشيء : يشيرون بأصابعهم في صمت.. يتلحفون بأردية خفيفة في الشتاء.. يأكلون في أطباق فارغة.. ويتنفسون ببطء.
حين بدت على وجهي الحيرة.. أشار أحدهم إلي.. استلقى على الرمل.. أغمض عينيه وفتح ذراعيه على اتساعهما.. أخذ شهيقا طويلا حتى انتفخ صدره وبرزت أضلاعه.. ثم راحت قدماه ترتفعان عن الأرض.. ببطء شديد.. بعدهما ذراعاه وجذعه ورأسه.
حين أغمضت عيني كانت سمانتا ساقي تؤلمانني كثيرا كأنني قد مشيت دهرا.
مؤانسة
لا يعرف أطفالي هذه القصة.. فزوجتي لم تصدقني حين سمعتها ونهتني عن سردها حتى لا أفسد عقول الصغار.. ولكنني كنت بالفعل - حتى بلغت السادسة - قضيبا حديديا على شريط قطار بين قنا وأسوان.. كنت أنتظر مرور القطار بشغف كي يقص على حكاية جديدة.. القطارات الجنوبية كالوجوه الجنوبية تحمل أضواء وصخبا أقل وحكايا أكثر.. كان يخبرني عن الأماكن التي لم أذهب إليها أبدا وعن المدينة الصاخبة التي ينتهي فيها هذا الشريط الطويل.. كنت أقضي ساعات الفراغ الطويلة في الثرثرة مع القضيب الموازي.. نتحمل معا ثقل القطارات كأم تؤلمها الولادة وتؤلمها اللهفة أكثر.. ثم تسطع السماء أمامنا فجأة فنأخذ نفسا عميقا ونتبادل نظرة عفوية ونبتسم.. وحين يحل الظلام كنا نقترب أكثر بل وقد نتلامس في غفلة من عامل التحويلة.. حتى نسمع صوت قطار قادم فنبتعد فورا وندعي البراءة بينما نتبادل ابتسامة واسعة.
قد يكون الله غاضبا مني الآن.. فأنا لم أستطع أن أجد رفيقا يجعلني أكثر سعادة كما أمرني بعد أن جعلني بشرا.. ولا حتى أن أجد من يصدق هذه القصة.
تذكير بالتعريف
هل تذكرته الآن ؟ إنه ذلك الرجل خاوي اليدين الذي رأيته قبلا مندسا وسط الشعراء المثقلين بأوراقهم.. ولم تكن قد رأيته من قبل.. كما أنه الوحيد الذي لم يكن يرتدي ربطة عنق.. ولكنك أحببته حين فوجئت به - حين أتى دوره في الحديث - يخلع قبعته ويخرج منها منديلا صغيرا لونه يماثل لون قلبك..
طقس متقلب
بمجرد أن أنهينا مكالمتنا نظرت إلى الشرفة ففاجأني تبدل المشهد.. السماء الممطرة قد أصبحت مليئة بالبخار.. وزوج القطط - الصغيرة التي تقف فوق البرميل الصغير والرمادي الأكبر حجما الذي يدور حوله - قد اختفيا بعد صيحة عالية من جارنا أعقبها سقوط كيس كبير من القمامة فوق البرميل المستكين.. والمصباح الصغير الذي كنت أتطلع في شرود إلى القطرات التي تسقط في ضوئه قبل أن تحدثيني قد احترق وسقط على الأرض المبللة محدثا صوتا كانكسار الضلع.. والقمر بدا الآن من خلف السحاب نصف دائرة كريهة بلا معنى.. ليس بدرا مندهشا كما تحبين وليس هلالا طفلا على شكل ابتسامة كما أحب.. وملابسي المعلقة في الشرفة التي كانت تهتز مع الريح القوية هدأت تماما كأنها لم تستوعب بعد كيف تركتها الريح فجأة.. جمعتها من الحبل.. كانت ثقيلة.. أغمضت عيني حتى لا تلحظ روحي الثقيلة التي تركها صوتك فجأة مشبعة بالماء.. وضعتها على أحد المقاعد.. وتشاغلت بالنظر إلى شاشة هاتفي..
حبيبتي كم يملؤني الرعب من أن تهاتفيني الآن - ثانية - لتسأليني كيف حالك..
فراغ
أطل من الشرفة.. أشب على أصابع قدمي لأخرج لساني للذكريات الحزينة التي لم تعد تؤلم.. والتي تزاحمت أسفل شرفتي ناظرة إلي.. لوهلة يحيرني أنها تتهامس وتهز ذيولها في سعادة ثم تعاود الإشارة إلى يميني.. ألتفت فيفزعني ما يشيرون إليه.. حين أرى باب القفص الصغير على حافة الشرفة مفتوحا والذكريات الجميلة التى كنت أربيها لتغرد لي كل صباح غير موجودة..
هنا أدرك سر شعورهم بالظفر.. أشعر بتراخي قبضتي على حافة الشرفة وابتعاد قدمي على الأرض.. هناك ما يجذبني إلى أعلى.. كأن الهواء قد انسحب من الأرض وها أنا بلا وزن أدور في الفراغ بلا اتجاه.. لأعلى بعيدا عن المنازل والأشجار والنهر والسائرين في السوق والجالسين على مقاعد محطة الأتوبيس.. لا يراني أحد ولا أستطيع الإمساك بأي شيء.. أنظر إلى الذكريات السيئة التي تحتفل بانتصارها على الأرض التي أصبحت بعيدة.. أجدني أنادي عليها كي تعود.. أنادي بصوت حزين..








3 تعليقات:
شوفي يا مصطفى يا ابني
انت عندك مخيلة واسعة قوي خالص يعني بصراحة
بس العنوان لون قلبك ده مش حلو خالص
عندي إحساس إنك عايز تستغفلني وتقول إن فيه خيط بيجمع القصاقيص دي مع بعضها.. بس على مين
:)
:(
كنت قررت أن هذه ستكون لك ، لأنها كانت فتره طويله ، ولأني كنت أنتظر ، وأنا كائن يبدأ بالقلق ولا يهدأ حين يبدأ الآخرون بالغياب لكن العود أحمد .. فيمكنني الآن أن أهدأ ولا داعي لمثل هذه القرارات
:)
أما هذه فهي فعلا لك ... لأنه أفضل صباح لي منذ فتره و لأن الأشياء الرائعه لا تأتي أبدا مفرده
"روحي الثقيلة التي تركها صوتك فجأة مشبعة بالماء"
هل تعرف عن لفحه الهواء البارد التي تأتي ، تجعلك الوحيد الثابت في كون متحرك وتذهب بالأشياء الأخري إلي الخلف ..... هذه هي
عارف يعني ايه تبقي حاسس حاجه ومش عارف فعلا توصفها وبعدين فجأه واحده تلاقيها قدامك كده بسيطه وسهله
مصطفي
علي عكس عمرو ، أنا أري العنوان مناسبا و مناسبا جدا أيضا
وأن القصاقيص فعلا مربوطه لكن ليست بالأحداث ، بل بخيط آخر مثل شريط ألوان
لون قلبك ... كل حكايه ف قلبك بلون وقلبك هذا أبيض ، فقط ينتظر قطرات مطر تعلق ف الجو ليفصح عن نفسه ويقول للدنيا الجميله هذه هي ألواني
التعريف ... زيتوني رائق يمكنه ببساطه أن يتحول لأخضر لامع أو زيتوني آخر يميل الي الأسود والأمر بعود لمن يقرأ
خفه .... لابد أن تكون هكذا ، لأن الأزرق الفاتح يخبرك أن السماء واسعه والبحر يبدو أوسع
مؤانسه ... أحمر طوبي ، ولأنه طوبي فهو يحتاج لآخرين بالجوار ، فالطوبة لا تصنع شيئا وحدها ، تحتاج أخري علي الأقل
والطقس المتقلب مثل كدمه تبدأ بلون وردي مخادع ينتقل بعدها لقرمزي سخيف ...
"حبيبتي كم يملؤني الرعب من أن تهاتفيني الآن - ثانية - لتسأليني كيف حالك..؟!!"
الفراغ يطل من الشرفه ... والفراغ لا يترك لك شيئا علي الاطلاق
ولوكان من الممكن أن تقرأ حروفا شفافه لكانت
مصطفي
هذا ليس تحليلا ولكن هذا ماترتكه لدي حكاياتك والألوان
ولأنها أشياؤك .. فيجب أن ترد أليك
بصراحه انا مش فاهم حاجه
:(
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية