
-1 -
" أتعرفين كيف يكون طعم النسكافيه بالمطر.. ربما لم تجربيه من قبل.. يشبه النسكافيه المعتاد لكن بسكر أكثر وسخونة أقل.. ثم إنه لا يذهب إلى المعدة.. إنه يتبخر ما إن يتجاوز الشفتين ويتحول إلى رجفة لذيذة مشبعة تسكن جسدك ولا تفارقه إلى الأبد.
أعرف أنني قد جعلتك تتشوقين إلى تجربته.. حسنا.. بما أنه ليس من مطر هنا.. سأحكي لك عن أول ولد وبنت يكتشفان هذا الطعم.. كانت المرة الأولى لهما التي يتشاركان فيها مج نسكافيه دافئا في حديقة الجزيرة المطلة على النيل تحت السماء التي تشاركهما كوبا من المطر.. والمرة الأولى التي يتحدثان فيها دون مقاطعة من أحد ثم يسيران على النيل وهما يشبكان أيديهما دون خوف.. ياه دون أي قدر من الخوف كأنهما قد امتلكا الكورنيش والنهر والمطر والدفء.. وقع أقدامها الخفيف وابتسامتها حين ترفع رأسها إليه فجأة دون أن تتحدث وصوتها حين يفاجئها المطر.. شعرت وقتها أنني مستعد لفعل أي شيء لكي أعيش مع هذه البنت في منزل صغير يرى النيل.. وأنه لولا بعض المارة القليلين في هذا الصباح الشتائي لاحتضنتها طويلا حتى تختلط روائحنا وأصواتنا فيكتشف أقاربنا وأصدقاؤنا حين نعود إليهم كل ما بيننا.. وحتى لا تتعب أقدامنا من السير إلى الأبد ولا تخاف الفراشات من الاقتراب منا.. "
- معاكي ورقة فاضية ؟
تنهدت في خيبة أمل.. أخبرتها صديقتها - وهي عشيقة سابقة له - أنه حين يتوقف عن الحديث فجأة وينهض للبحث عن ورقة فإنه يكون مسكونا بالكتابة.. ساعتها لن تجدي كل محاولاتها معه لا هي ولا كل جميلات العالم كأنه قد تطهر من جسده وانبعث كبخار ساخن من بين اللحم والدم..
نهضت.. ارتدت بعض ملابسها وأحضرت له ورقة وقلما ووقفت إلى جوار النافذة ناظرة إليه.. مستعيدة كلام صديقتها التي أكدت أنها ستستمتع برؤيته وهو يكتب
- 2-
الطريق طويل إلى المعادي.. يبدو أنك لم تخبر القاهرة بعد.. حسنا تريد أن تعرف لماذا يعرض ذلك الرجل منزله للبيع.. لا هو ليس بحاجة إلى المال.. كما أن المنزل بحالة جيدة جدا.. ماذا.. بالطبع لا.. هو لايعاني من أي مرض نفسي.. هو طبيب بشري ناجح جدا.. لكنك ستحتاج إلى التجاوز عن كثير مما سيخبرك به.. ليست إهانات وإنما هي أحاديث لن تجد لها معنى.. فانظر إلى مصلحتك وأعطه ما يريد..
أنت مصر إذن.. حسنا سيقول لك كلاما فارغا عن زوجته الراحلة.. وعن عيوب المنزل التي تسببت فيها.. من عينة ماء باق في أواني الزهور لا يستطيع التخلص منه.. ودفء مكان استناد يديها على زجاج النوافذ أثناء تطلعها إلى الطريق في انتظاره.. واهتزازات باقية في الستائر من أنفاسها المتلاحقة.. وأصوات متداخلة غير مفهومة يسمعها حين ينام بسبب الحكايات التي كانت تتوقف في منتصفها لانشغالها بشرب النسكافيه الذي كاد يبرد أو بصوت ما قادم من النافذة ثم تنسى أن تكملها.. سيبدو كل هذا الكلام حقيقيا تماما فلا تجعله يخدعك..
سيخبرك أنه في حاجة إلى ترك المنزل والانتقال إلى مكان آخر لأن زوارا كثيرين أصبحوا يأتونه منذ رحيلها.. العديد من الجيران الذين أعادوا إليه الملابس الخاصة بها والتي سقطت في شرفاتهم.. وسائقي التاكسي الذين ركبا معهم أعادوا إليه نقودا باقية لم يأخذاها وضحكا نسياه أسفل المقاعد..
نسيت أن أخبرك.. حاول أن تنتهي من الاتفاق قبل أن تداهمه نوبة صمت مفاجئة قد تطول حتى يلتفت إليك قائلا.. معاك ورقة فاضية.. ساعتها لن يجدي معه أي حديث في العمل وستضطر إلى تأجيل توقيع العقد..حسنا لقد وصلنا.. ذلك المنزل إلى اليسار
-3 -
هذا الرجل الذي أمضى قرابة الساعتين وحيدا في حديقة الجزيرة يشرب النسكافيه ولا ينظر إلى العاشقين العديدين الجالسين حوله.. ولا إلى النهر المستلقي كسولا ومبتسما تحت الشمس.. وإنما يترك بصره يحوم جول طائرة بعيدة تعبر السماء في اتجاه الغرب.. ترى ماذا كان يدور بباله وقتها.. وماذا يمكن أن تعني طائرة عابرة بالنسبة له..
أرتجف حين يطرأ لي هذا السؤال : ماذا لو كان هذا الرجل شاعرا.. لو هبط عليه الآن ملاك الشعر ولو لدقيقة.. ماذا يمكن أن يقول.. وقتها قد يشير إلي فأترك مكاني بجوار ماكينة الشاي وثلاجة المشروبات الغازية ليطلب مني بصوت خافت " معاك ورقة فاضية لو سمحت "..
لن أخبره وقتها أنني قد اعتدت هذه الأشياء.. وإنما سأمنحه من باب حسن معاملة الزبائن ورقة صغيرة من أوراق الطلبات.. ليظل يخط عليها بيد مرتجفة لساعات.. وكلما التفت ولمحني وأنا أنظر إليه طالعني بنظرة اعتذار وطلب " واحد نسكافيه كمان ".. ليضيفه إلى الأكواب العديدة التي بردت بجانبه دون أن يرتشف إلا من ورقته الصغيرة..
وخوفا من إحراجه قد أخبره أنني لا أنظر إليه لطول بقائه هنا.. وإنما أنتظر لأرى أين سيلقي ورقته لآخذها قبل أن يبعدها عمال النظافة الذين يجهلون القراءة والكتابة.. وقد أتمادى وأجلس بجانبه أرتشف من أحد أكواب النسكافيه الباردة وأحكي له حلمي الأخير.. الذي كنت فيه وحدي ليلا في المكان.. تصور يا أستاذ وحدي في كل هذه الحديقة والكورنيش والميدان تنهمر علي من السماء آلاف من القصاصات الصغيرة كالمطر بلا توقف.. عليها كتابات ورسوم وشخبطة غير مفهومة.. بعضها يحمله الهواء بعيدا إلى النهر وكوبري قصر النيل والميدان بينما أركض أنا في جنون محولا جمعها من الأرض ومن فوق المقاعد وحملها إلى مكاني الصغير لأخبئها خلف ماكينة الشاي وثلاجة المشروبات الغازية قبل أن يأتي عمال النظافة.. الذين كنت أرى جيشا منهم يتقدم بانتظام وبطء في العتمة فوق كوبري قصر النيل عابرا إلى الحديقة.. وأسمع دبيب أقدامهم وهمهماتهم الغاضبة بينما أواصل الركض لأجمع المزيد من الأوراق الذي لا تتوقف عن السقوط من السماء
12 تعليقات:
لماذا أشعر أن هذه هدية أخري؟
أخبرتك أنه أفضل صباح لي منذ فتره و الآن يمكنني القسم بهذا
"الأشياء الرائعه لا تأتي أبدا مفرده"
كان اعتقادا مثل اعتقادي بوجود كائنات نورانيه تعيش علي القمر ، و رغم أنهم يقولون أن الفضل في نوره يعود للشمس لكن ومن أدراهم أن الشمس أيضا ليس لديها كائناتها التي تعطيها وهجها وتعطيني دفأ صباحيا
الأشياء الرائعه لا تأتي أبدا مفرده ..
ولأنها طوال الوقت تنقل إلي نفس الرساله بأن الله فعلا فعلا يحبني
فقد كان هذا اعتقادا لكنه أصبح الآن حقيقه واكتشفت أن للأرض أيضا كائناتها ، كائنات يكفيك وجودها بالجوار كي تنام هادئا وتعطيك قدرا من الأحلام يكفيك ويزيد
عارف أنا لو عديتلك كام حد قابلته النهارده وكلف نفسه وجه عشان بس يقولي ان أنا معاكي وان انتي فارقه معايا ويأكدلي ان الناس اللي حواليا دول فعلا يستاهلوا
عارف يامصطفي
انت ليك عندي واحد آيس كريم (كونو مش علبه) بس يكون فانيليا وشيكولاته وتكون الدنيا شتا ، آي نعم باخد تريقه قد كدهو من الناس ، بس هما فعلا مش عارفين ...مش عارفين يعني ايه الواحد تبقي أطراقه بردانه ومتكتك لكن جوا في دفاااا درجة انه بيدوب الآيس كريم التلج
عارف بقي كل الرغي دا وانا لسه ماقرأتش البوست ، آه والله
أنا دخلت لاقيت بوست جديد تصدق بالله أنا ماصدقتنيش وقلت دي أكيد تهيؤات
بوستين ف يوم واحد يامصطفي :)
مصطفي
ربنا يسعدلي أيامك
:)
ياهوووووووو
وكمان تعرف حديقة الجزيره
استنا أنا لسه ماخلصتش قرايه بس باحتفل ....
أنا جاي تاني
ماهي تقريبا بقت مدونه أهلي
الكلام عجبنى اوى وحاسه ان وراه معانى عميقه اوى بس بجد مش فاهمه العلاقه
ايه علاقه القصص دى ببعضها؟ وايه سر غموضها؟ وليه عميقه اوى كده؟
العامل المشترك هو النسكافيه البارد والحاجة الملحة لورقة بيضاء .. رااااائع
امتلكا الكورنيش والنهر والمطر والدفء.. ياه
أنت تعرف رأيي ... سأخبرك أشياء عن أنها رائعه ، وعن أني سعيده ، وأنه يمكنني فعلا تميز كتاباتك وسط مئات أخري دون امضاء
مصطفي .... أنا متحيزيالك بطبعي وانت بتخليني مصره علي موقفي
أقولك علي حاجه .. انسي شويتين انك مصطفي وارجع كده اقرأ
اقرأ المدونه كلها من أولها للآخر وابقي قولي ايه رايك
أنا عملت كده من زمان بس رجعت من يومين جبت صندوق كبييييييير وفضيت فيه المدونه وقعدت أقرأ ، تصدق الحاجات لسه بتعجبني زي أول مره ويمكن ساعات أكتر
مصطفي
أنا مندهشه أوي علي فكره ، مندهشه بجد
وماقدرش فعلا غير اني أقولك اني مبسوطه جدا إني باقرالك
حاجه صغنطوطه بقي كده
صديقتها/عشيقة سابقة له !! ، كيف ؟ وكيف تثق هي بكلامها؟
عارف ... حاجه أخيره والله
خليتني أحس فعلا أن الورق الأبيض لابد وأن طعمه مر ، أو أنه كان هكذا منذ البدايه ، وأني لو حاولت التأكد من ذلك لتأكدت لكن أنا فعلا أصبحت متأكده
أهبل أنا ... صح؟
:)
تحفه تحفه تحفه
كل مرة باجي هنا بحس بجو و عالم تاني بيملاني انبهار
سلام عليكم اولا :)
اول جزء اثر فيا بفرحة و اخر جزء رسم فيا حزن لما حاولت اتخيل نفس الشخص بعد زمن من الحب و الغربة و هو في نفس المكان لكن وحيد
البوست جميل جدا و كل حرف في مكانه
:)
بجد احسنت
سلام
مها
أنا جيت بس أوريك صورتي
واحط أول كومنت بيها هنا
تقولش يعني صورتي بلبس العيد
بس تعمل ايه بقي ...
أنا حمقاء دائما ما تحدث صخبا إذا ما أعجبها شئ
:)
بونبونا
هو انتي مرة حمقاء ومرة هبلة ومرة عبيطة
من فضلك الألفاظ دي ماتتقالش في مدونتي
خصوصا وان الناس لو بقت كلها كدة الأرض حتبقى مستشفى مجانين أشبه بالجنة
بالمناسبة
تحليلك اللوني للبوست اللي فات أهداني ابتسامة ع الصبح
ليكي عندي عشان دي كباية نسكافيه سخنة
أول ماخد الآيس كريم بتاعي
على فكرة انتي لسة ماجاوبتيش على سؤالي
براحتك خااااااااااااالص
وبعدين انتي شكلك في الصورة غير المرة اللي شفتك فيها
حلوة اوي افكارك ياابو سمير .. واحساسك كالعادة عالي جدا ... شكرا لك ... والي الامام دائما
ماهو أنا مش مرة حمقاء ومرة هبلة ومرة عبيطة ... لأ أنا كل دول مع بعض .. مره واحده
"مستشفى مجانين أشبه بالجنة"
:)
:)
وبعدين انت مش واخد بالك ولا ايه ، أكيد شكلي في الصورة متغير ، أصل دي صورتي وانا صغيره !
بالنسبه بقي لسؤالك ، أعملك ايه يعني مانتا اللي بتسأل أسئله صعبه يا أخي
بص يا مصطفي
أنا كل يوم باسأل ياتري مين في حياتي عابر ومين مكمل فيها علطول لكن بادعي وأقول " يارب ...من كان منهم خيرا لي فاجعله دائما أبدا"
البنت دي بسيطه قوي يا مصطفي ، وحاجات كتير جدا بتفرحها ، بس انت عارف ايه أكتر حاجه ممكن تعملها وتفرحها بجد ... انك تبقي حد كويس قوي ، تذاكر وتتعب وقبل ما يكتبو ف بطاقتك طبيب تكتب انت انك انسان ف المقام الأول ... هاتفرح قوي لما انت تكتب كتير كتير ويوم عن يوم تبقي أحسن وتشوفك كده كاتب كبييييير
تعرف أصلا انها بتنبسط وبتعمل فرح أول مابتلاقي بوست جديد وتقعد تحكي للبشريه كلها عنه ، تعرف ان البشريه اللي هي بتحكيلها دي بالظبط كده ( صديقتين فقط ) بس هما فعلا بالبشريه كلها ، بيفضلو يسمعوها و باهتمام شديد رغم انهم فعلا سمعوا منها الكلام دا قبل كده بس بيسمعوه تاني ... تخيل
مصطفي
"قطايف .... علي طريقتي " ، ولأجل هذه :( أجد بوستين بيوم واحد
"وياترى لو كنت قدرت أميز كنت أعمل إية للبنت دي"
مصطفي .... انت فعلا عملت كتير
دون أن يرتشف إلا من ورقته الصغيرة
دون أن يرتشف إلا من ورقته الصغيرة
دون أن يرتشف إلا من ورقته الصغيرة
وحتما قد ارتوى
قررت اني مش هعلق عندك تاني هعد اقولك شكرا شكرا شكرا على كل المتعه والإحساس اللي بتملاني بيه
شكرا يامصطفى:)
شيماء:)
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية