الإثنين، ١٩ أكتوبر، ٢٠٠٩

أين خبأ الله اللعبَ يا منى ؟



.منى..

يا فندق النور الصغير , الواقف قرب البحر...احكِ لي :

أين يخبئ الله اللعبَ يا منى ؟

إلى الآن ....كلما مررت جوار الفتارين الملآنة بالأكياس المكتنزة بالعربات و الجنود و الغابات , أفكرُ أن أمرر قبضتي في الزجاج ثم أفرق الأكياس المُترِبة على الناس..

سأحتفظ لي بكيس الجنود الصغيرة..

أنا لن أدفنهم في الثلج , و لن أعلقهم على الأسلاك الشائكة من بزّاتهم..

سأرتبهم هكذا حولي كالدموع الخضراء الصغيرة , أخبرهم أن الحرب قد انتهت ,وأنه قد عاد كل الجنود إلى بيوتهم البعيدة..

سهروا مع الأهل و ارتدوا ملابس النوم

فيلقي جنودي أسلحتهم الصغيرة ويتنهدون و يجلسون على الأرض و يبكون بلوعة...

أين خبأ الله اللعبَ يا منى ؟

في الطريق إلى المسجد , الذي يشبه قلعة قديمة , مرت قافلة ٌ طويلة سوداء من الدراجات البخارية..

قافلة طويلة من الخوذات المعتمة...توقفوا كلهم قبل أن أعبر الطريق ...تقدم قائدهم و خلع خوذته , قال دون أن يرمش:

نحن خائفون جدا..

أشرت إلى المسجد , الذي يشبه قلعة قديمة..

تشبه تلك التي أراها في المرآة

قبل أن أهذّب لحيتي

أخبريني بما أنكِ أنتِ , أين يمكن أن تحتفظ الملائكة بكل هذه الكتل السوداء من ذنوبنا , التي ينحتها الناس بالأسفل , بعيدا عن الألواح البيضاء القليلة ْ..

أين يحتفظون بكل هذه الأحجار بعيدا عن حديقتكِ المسوّرة بالورد , تلك التي أفتعل كطفل ملطخ بالحلوى أن " لا شيءَ " لتصففي لي شعري بكفكِ و تمسحين وجهي و تأخذينني إليها , نجلس و تحكين لي عن نوافذ مضاءة بعيدة...

أفتعل كثيرا , كي لا يبدو على الأقل كم أنا أحدب إلى جوار كائن النور الذي يمسك كفي , و ينتظر جواري لنعبر الطريق كأنني أنا الذي سأحميه من السيارات النهمة المتغوّلة..

لا تتركيني وحدي إذن , حين تحط أمطار ديسمبر على المدينة ..فتدق بعنف على مفاتيح الرصيف الممتدة , البيضاء و السوداء..

تدق أرواحا ضئيلة ًمذعورة ً, تتصاعد لأعلي

أمطار ديسمبر يا منى

لا تدع جذعا مجوفا يمر هكذا في الطريق

أمطار ديسمبر تختبر ضجيجه المكتوم

تدق على الجبهة و تنقر على الصدركي يسمعه المارة...

أمطار ديسمبر

عازف البيانو العنيف

_ أريد أن أخبركِ أنكِ..

بينما تحافظين على وِردكِ مع أطفال الملائكة

الراغبة في تعلم الغناء

و تتمتمين عني

أنا..أجهل كيف لا يوشون بي..

أنا الذي أسيرُ فأحمي وجهي براحتي..حين تتقافز حولي أمطار ديسمبر , على الأفاريز , على الأسفلت ,

كذنوب غاضبة

ملقاة توا من السماء..

_منى..أنا لا أحاول أكثر من أخفت ؛ فلا تلاحظين صوتي

متوترا و مذنبا

يحاول أن يتخلص من القلق

فينفلت و يشي بي

أنا أفتعل أنك لا تعرفين...

أنتِ..تمسكين يدي لنعبر الطريق

نتابع أمطار ديسمبر تغسل الكون.

.أمطار ديسمبرحين تراكِ , تغفرُ لي

تتركني أمر و تدق على مفاتيح الرصيف بهدوء

,إيقاعات خافتة طويلة..

كل ليلة ٍ , أغمض و ألعب ذات اللعبة..:

من فوق البناية الشاهقة في " تل أبيب " , أسدد البندقية إلى رأس الضابط الكبير...

أخلف في رأسه ثقبا أحمر كالطابع

و أنثر حوله الدم على الوجوه الحليقة تصلني التهنئة على الفور , في إذني , عبر السماعة الصغيرة

أضع بندقيتي و أنام مرتاح الضمير..

عند صديقي ...أذاكر ُ و أسمع الجارات يضحكن و أرى البرج من الشرفة ْ..

أمامي شحنة كبيرة من الحقائق ...حقائق ..حقائق ُ..حقائق ُ ,

الطب _ جذع الـشجرة الضخم _ ينهض لتسّاقط من فروعه الحقائق..

الحقائق ُ :

مريض القلب يحتاج لفراشة ضخمة تودع برفق بين رئتيه,

مريض العينين ينتظر مطرا صباحيا , ينقر على الجبهة ,

مريض الكبد نغرس في كبده وردة ,

مريض الزهايمر يحتاج إلى قبلة مفاجئة في شفتيه , قبلة عميقة و طويلة ,

تضحك الجارات , أفكر في قاعات البرج المضاءة كثقوب متتابعة , أفكر أنها هنا أفضل ُ كثيرا ,

من هناك...

فوق.... في شرفاتها البعيدة..

كل شيء من هنا و الآن أفضل كثيرا ...كوبري قصر النيل , منى , البرج , شرفة الجارات....حقائق حقائق حقائق ُ..

.أنا لا أريد الحقائق..أنا أريد ظلها الطويل على قلبي...

أنا..أفكر في المصاعد الخاوية , التي تفتح أبوابها فجأة ًللا أحد , ترنُ , تغلق و تنزل , في الأصدقاء الذين على الماسنجر , خاوين أمام الشاشات , كلهم موجودون , كلهم وضع على الآخر block .

أفكر في الوحشة التي تطفر من هاتفي , و تنساب من فتحاته , فأصحو و أجد حوله بركة صغيرة_ فأعرف أن أحدهم بالأمس , في مكان ما , رفع الهاتف إلى أذنه و بكى

_أنا موجعٌ من الشجر البعيد في آخر الحديقة , لا يراه أحد سوى السورأريد أن أراه , أريد أن أنقش عليه اسمي الذي لن يراه هناك أحد ,

و لكني أخاف من الظل و من غبش آخر النهار و من قائمة الأيقونات الرمادية الميتةعلى الماسنجر , وأخاف من المصاعد , الخاوية , التي تفتح أبوابها فجأة للا أحد , ترنُ.., تغلق و تنزل..منىيا فندق النور الصغيرهل سمعتيني ؟.

للرائع

محمود عزت

2 تعليقات:

Blogger Tota يقول...

منى يا فندق النور الصغيرهل سمعتيني ؟

لا اعرف لماذا شعرت بهذا الفراغ الهائل فى روحى وبهذا الخواء الموحش فى صدرى وبذلك الشلال المحبوس من الدموع فى عيني وبكل هذا الحزن الذى يغص به حلقى ..

نص مبدع حقا يا مصطفى

24 أكتوبر, 2009 11:55 ص  
Blogger واحده من الناس يقول...

يعنى مش انت الكاتب؟

01 نوفمبر, 2009 02:51 م  

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية