إلهي.. ما أضعف ما خلقتني.. وما أوهنه من جسد يحملني.. فنسمة هواء تحيلني إلى هواء.. والتفاتة لعندليب تحيلني إلى أغنية.. وملامسة لنقش تحيلني إلى نقش.. وابتسامة في وجه نجم تحيلني إلى نجم..
إلهي.. ما أجهل ما خلقتني.. أرقى إلى الشمس فينطفئ وجهي الذي لا يضيئه إلا السجود .. أدنو إلى البحر وأترك موج الحيرة يذوب على شاطئي دون أن يبلل قدمي.. أمد يدي لغصون الليمون وأنسى ثمار الأسئلة تذبل على غصوني..
إلهي.. ما أبعد ما خلقتني.. ألقيت بي في أماكن لا روح بها ونفخت من روحك في جدران أخرى.. فلم لم تجعل تلك الأماكن تمشي وتتحدث حتى نعرفها كما تعرفنا.. نشير إليها كما تشير إلينا.. نمشي إليها كما تنتظرنا.. نصافح حجارتها فتزهى النقوش في جدرانها وتورق اللفهة في أرواحنا فترتوي ونرتوي..

بالأمس كان أول يوم لي في عملي الجديد عند صانع السلال.. عندما رآني قال أنني لم أزل هاويا.. أغمضت عيني وأسلمت نفسي لإزميله الصغير وهو يقشر جسدي الصغير ببطء وحرص.. ثم يبسط الروح أمامه كصفحة بحيرة رائقة.. يعمل فيها أصابعه فيحولها إلى خيوط.. خيوط شفيفة دقيقة أعجب كيف يراها.. وكيف يضفرها مع خيوط النور ويعقدها ثم يأخذ طرف الخيط بين أسنانه فيشد عليه ليحكم الربطة.. همست له : سيدي.. لا تجزل النور فروحي عذراء لم تزل.. لم تدخل دنيا ولم ترها.. ولم تذق النور إلا أماني..

أتجنب النوافذ المقفلة التي تحتفظ بالروائح.. وأعشق النوافذ المفتوحة التي تتبادل روائحها مع اليمام الأبيض.. أتجنب الساعات المنضبطة التي تظن نفسها آلهة.. وأعشق الساعات المتعطلة التي تفسح لك الطريق لأن تمسك باللحظات بين أصابعك فتحيي وتميت.. أتجنب الطعام الساخن الذي لا يطيق لمستي له.. وأعشق الطعام البارد الذي يشكو الحنين مثلي.. أتجنب الطرق المستقيمة التي ترى منتهاها من مبتداها.. وأعشق الطرق المتعرجة التي أولد فيها مع كل انعطاف جديد.. أتجنب الرفوف المثقلة بالكتب والمحاطة بغبار فوضوي من الحروف.. وأعشق الرفوف التي لا تحمل سوى كتاب أو اثنين.. كي يمكنني أن أضع أذني على الخشب وأنصت إلى نبضات الحروف الواهنة.. الحب قرآني فإذا قرئ الحب فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون..

ذات صباح رائق كهذا استوقفني طفل عند باب منزلي.. أشار إلى أعلى فلمحت كرة صغيرة ملونة معلقة بأعلى شجرة.. بسملت وخلعت حذائي واحتضنت الجذع.. دفعت بقدمي لأسفل فارتفعت خطوة.. وردها كان يقل اصفراره شيئا فشيئا كلما ارتفعت حتى تحول إلى الأبيض.. مددت يدي إلى الكرة فقفزت مبتعدة.. تعوذت ثم دفعت بقدمي لأسفل فقفزت مبتعدة من جديد.. وهكذا حتى أظلمت الدنيا.. وصارت الزهور كواكب تضيء في العتمة.. وصرت أقف على فرع دقيق بالأعلى لا يقوى على حمل عصفور.. هنا نادتني : أيها الشارد.. ألم يأن الوقت بعد لتصعد إلى كرتك المعلقة بأعلى الشجرة.. همست لها : أي كرة ؟.. ولماذا ترفضين العودة إلى هذا الطفل الذي ينتظرك ؟.. نادت : ذاك الطفل هو ما أعني فعد إليه.. اسأله عن اسمك.. واطلب منه أن يسامحك..
يا دفء.. يا فاكهة الروح الشتوية.. يا أرضيات محطات الوصول .. يا مسكا يفتدي نفسه لأجل أن تعيش أرواح وترتوي.. يا فاكهة.. كيف لي أن أرويك ودمي رمال.. يا وصول.. كيف لي أن أسعى إليك ورملي دماء.. يا مسك.. بما أفتديك ولم يبق من جسدي سوى نافذة مفتوحة تتبادل الروائح مع اليمام الأبيض..
4 تعليقات:
بورك صوتك
وسعد طفلك
السلام عليكم
ادعوكم لمتابعة مدونتي الجديدة التدبر
تحت العنوان التالي : http://altadebor.blogspot.com/
عجيب
ماشاءالله عليك
يسعد صباحك, و مساك ايضا
انا عرفت اخيرا ليه كل مرة بقرا النص ده مابعرفش اعلق عليه
اول مرة ماكنتش مركزة
تاني مرة قريته وعيني دمعت فقفلت الصفحة
تالت مرة
قلت بعد كلام زي ده معتقدش ان عندي حاجة تانية اقولها!
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية