رفقة العجلاتي

تحت شرفة منزلنا القديم بالضبط كان يقع دكان عم ( رفقة ) أحسن عجلاتي في الحتة.. كان يؤجر ( الفرحة ) لمدة لفة واحدة ويأخذ في مقابل ذلك لحظة ألم صادق من تلك التي يحوشها الصغار في حصالاتهم.. إلى جانب عمله الأساسي في إصلاح ( الفرحة ) المكسورة التي قد يحملها إليه طفل من أطفال الحتة مشيرا إلى خلل ما بها وأنها لم تعد " تمشي زي الأول ".. كان عمله يبدأ قبل أن أفتح نافذة غرفتي في الصباح ويستمر حتى أغلقها في آخر الليل حتى أنني كنت أتساءل متى وأين ينام.. طيلة كل هذه الساعات كان يغوص في داخل محله ليصلح الأجزاء المكسورة أو ليحضر بعض قطع الغيار ثم يخرج من عالمه الصغير المبهم حاملا إلينا ( فرحة ) سليمة ولامعة كأنها لم تستعمل من قبل.. أغلقت نافذتي وقلبت محتويات حصالتي الصغيرة على الأرض.. لم يكن بها سوى ثلاث لحظات فقط من الألم إلى جانب العديد من العملات المشابهة المزيفة والتي يضعها بعضنا ليزيد من محتوى الحصالة.. فيستمتع بالصوت المرتفع لصليل العملات بالداخل كلما هز حصالته بقوة.. نحيتها جانبا.. هذه العملات لم تكن لتخدع عم رفقة بأي حال.. انتظرت صباح الجمعة القادمة بفروغ الصبر..
اللفة الأولى :
أمسك عم رفقة بلحظة الألم وقلبها بين يديه طويلا.. ثم أخذ يضغط عليها بأسنانه ويلقي بها على الطاولة الصغيرة أمامه ليستمع إلى رنينها.. أخيرا ابتسم لي.. كنت أعرف أن الأطفال كثيرا ما يخدعونه.. أشار إلى يمينه معطيا إياي حق الاختيار فأمسكت بمقود أقرب ( فرحة ) لي.. كان الصباح باردا لذلك اتجهت إلى أول الشارع حيث ساحة واسعة تغمرها الشمس..
الساحة كانت نائمة بعمق في الدفء وتتنفس بهدوء مستغلة إجازتها الوحيدة التي تبتعد فيها عن الزحام والصخب ومباريات الكرة والغبار المتصاعد.. على الجهة الأخرى من الساحة ظهر محل عم " وعد " تاجر المنامات.. كان هادئا كعادته.. توقفت أمام المحل متطلعا إلى الأحلام الأليفة في أقفاصها التي يحرص عم " وعد " على تنظيفها.. ألوانها ليست كألوان ملابسنا وغنائها خفيف كأنك يمكن أن تكسره بأصابعك.. على الجانب الآخر من الواجهة كانت الكوابيس رابضة تخربش الأرض بحوافرها وتتطلع إلى الطريق بنظرة ثقيلة.. لم يكن عم " وعد " يقيد كوابيسه لأنه يعرف أنها مروضة جيدا.. لكنني كنت أقود ( فرحة )..
ظللت أدور حولها.. أخرج لها لساني وأقلد أصواتا تشبه المنبه القديم.. نظر لي أحدها ثم انطلقوا جميعا في إثري.. أخذت أدور في الساحة وأخرج من الشوارع الجانبية بينما يصطدمون في بعضهم البعض.. وظلت ضحكتي تعلو حتى لمست أطراف الملابس المعلقة في شرفات البيوت.. لكنها خبتت تدريجيا عندما لاحظت أن أحدهم - وهو أكبرهم حجما - مازال مندفعا نحوي.. كان يقترب باستمرار.. ضغطت على البدال حتى حصلت على السرعة القصوى للـ ( فرحة ) لكنه ظل يقترب.. يقترب حتى عضني في ساقي.. صرخت من الألم وتدحرجت أنا و( الفرحة ) على الأرض.. غطى الألم على وعيي تماما..
حين فتحت عيني كانت السماء بيضاء تماما.. والشجرة القريبة مكونة من جذع رمادي داكن تعلوه مساحات متداخلة من الرمادي الفاتح.. وشبابيك البيوت خدوش على وجوه رمادية كالحة.. نظرت من حولي.. لم أجد سوى هذا اللون.. أمسكت بمقود ( فرحتـ ) ـي بيد ترتعش..
ربت علي عم " رفقة " وقال أنه يعرف هذا الكابوس.. وأنني ما كان يجب أن أنسى أن ( الفرحة ) مهما تكن بحالة جيدة فإن لها سرعة قصوى لا يمكنها تخطيها.. عندما لاحظ استمرار ارتعاشي قال إن هذا الكابوس سيزول بمجرد الاستيقاظ غدا..
اللفة الثانية :
فاجأني رد فعل أبي عندما علم أنني سآخذ لفة بـ ( الفرحة ).. بدا غاضبا.. قال إن عمي من قبل قد اصطدم بجدار وكسرت ذراعه عندما اندفعت به هذه ( الفرحة ) بسرعة غير مبررة.. لا أتذكر أن عم رفقة حذرني من السرعة.. تحايلت كثيرا حتى وافق على وعد ألا أبتعد.. حين انطلقت خارجا من الشارع انتبهت إلى أن أبي لم يسألني من أين أتيت بلحظة الألم الصادق..
عند شاطئ النهر كان زورق صيد يستريح.. يعلوه شراع أبيض عال أغراني بالتوقف.. عندما كان الكبار يسألونني ماذا أريد أن أعمل كنت أقول : شراع أبيض.. عشان أحضن الهوا.. على متن الزورق كان ثلاثة من المراكبية يغنون.. أشار أحدهم إلي بأن أشاركهم طعامهم.. هززت رأسي رافضا.. قال أبي أن عزومة المراكبية لا تشبع.. هتف أحدهم : تعالى اتفرج على الشراع من قريب.. صحت في فرح..
توقفوا عن الغناء وأخذوا يتفرجون علي ويتبادلون الضحك.. كنت أمد يدي في طعامهم ثم أرفعها إلى فمي دون أن ألتفت.. أحيانا كانت يدي تسقط بين الأطباق وأحيانا ترتفع إلى أنفي أو وجنتي.. كان بصري معلقا تماما بالشراع الذي كان يبدو أكثر اتساعا من مكاني.. وأكثر ارتفاعا كأنني إذا بلغت قمته أصير ملاكا.. كان صوت خفقانه القوي يفقدني الشعور بالجاذبية فأتشبث بأحد الحبال.. أتشبث وأواصل الاقتراب.. حين وصلت مددت كفي إليه دون أن أجرؤ على لمسه.. كان ينبض تحت يدي كبحر.. يبتعد ويقترب.. تساءلت هل يمكن - إذا اقترب فجأة ولمسني - أن يأخذني بداخله فأغرق..
أنا كنت خالي وقلبي الدنيا مش شاغلاه
صبحت يوم التقيته وهن .. ومني تاه
يبكي على أي شي .. يرتاح لقولة آه
العشق خلاه حزين ولا البعاد خلاه
- هو لية عزومة المراكبية مش بتشبع.. مع إني شبعت ؟
توقفوا عن الغناء فجأة ونظروا إلى بعضهم البعض.. أشار لي عم عربي فجريت إليه.. كان أكبرهم سنا وكان صوته يذكرني بمحمد فوزي..
- زمان خاااالص.. قبل ما انت تتولد.. المراكب كانت بتمشي في الشوارع مع الناس والحناطير.. وكنا كلنا أصحاب عايشين في نفس البيوت.. بس في يوم جه وحش كبير خاااالص لونه أزرق اتخانق مع واحد مراكبي.. فراح خطف المراكب كلها.. الكبيرة والصغيرة.. وكسر رجليها وحبسها هنا وقعد محاوطها من كل ناحية عشان متهربش.. من ساعتها مفيش ولا مركب يقدر يهرب للشط وإلا ميعرفش يمشي.. فضلنا إحنا المراكبية نبص على الناس اللي ماشية من بعيد.. وكل ما حد يعدي ننده له ييجي يقعد معانا.. لكنه بيخاف من الوحش الكبير الأزرق فيبتسم ويرفع إيده ويقول لنا شكرا.. هي دي العزومة.. بنعزمك على ابتسامة والحلو شكرا.. عشان فيه ناس كتير بتنسى نفسها وسط الشغل الكتير والدنيا لحد ما تجيلهم أنيميا من قلة الابتسامة أو لون وشهم يزرق من نقص شكرا..
أحاط كتفي بذراعيه مكملا :
- على فكرة أنا مبسوط إن انت شبعت !
لم أنتبه إلى ابتسامة الشبع الواسعة على وجهي إلى حين شعرت بها تصغر وتبتعد.. كانت الشمس تقترب من الغروب.. وميعاد عم رفقة قد اقترب.. عبرت الجسر الخشبي القصير إلى حيث ربطت ( الفرحة ) في إحدى الأشجار.. كان أحدهم قد وضع لي في السلة الأمامية لفة تحوي الكثير من الهواء الذي كانوا يخزنونه في الشراع الأبيض.. فتحت اللفة فاتسع قميصي وتراجعت فروع الأشجار للوراء.. بصعوبة تمكنت من التحكم في المقود رغم السرعة الهائلة التي كانت تجري بها البيوت من حولي حتى وصلت أمام بيتنا.. ساعتها تركني الهواء وسبقني إلى نافذة غرفتي..
اللفة الثالثة :
- عم رفقة.. أنا عايز أدخل أتفرج على المحل من جوة..
وضع لحظة الألم الصادق الأخيرة في الدرج الصغير ثم أغمض عينيه طويلا.. ربما لم يطلب منه أحد هذا الطلب قبل.. ولكنها كانت أمنية قديمة لي..
- اقفل الباب وراك وتعالى.. بس ماتعملش صوت..
كتمت ضحكي السعيد بصعوبة وأنا أنزل مزلاج الباب من الداخل.. خطونا في ممر صغير على جانبيه العديد من ( الفرح ) التي تنتظر التصليح.. توقف عند باب صغير في نهاية الممر ثم وضع سبابته على شفتيه مذكرا إياي بالتزام الصمت.. فتح الباب الصغير فتسمرت في مكاني وصرخت.. صرخة قصيرة مرتعشة نسيت فيها تعليمات عم رفقة والمحل والعالم بالخارج.. كنت أقف في مقدمة ساحة فسيحة أرضيتها سحاب ناعم يسير ببطء.. يتوسطها مبنى صغير ذهبي اللون تعتليه قبة خضراء.. تقدم أولا ثم أشار إلي.. ما أن وضعت قدمي اليمنى حتى تراجعت فزعا للوراء.. كانت قدمي تغوص في هذا الشيء.. أومأ عم رفقة برأسه فوضعت قدمي من جديد.. كان السحاب يحملني كزورق ويمضي بي دون أن أخطو.. اقتربنا فلاحظت حول المبنى العديد من ( الفرح ).. تدور حولها العشرات من العصافير الصغيرة الملونة.. تعلو وتهبط.. حول الإطارات المثقوبة وأسلاك الفرامل المقطوعة والمقاعد المهترئة.. هل تركنا الحارة.. وأين هذا المكان وكيف لم يره أحد من قبل.. أشار عم رفقة لأعلى فالتفت.. كانت عصافير أخرى آتية من حيث كنا.. تحمل قصاصات ورق صغيرة ومناديل وأوراق شجر وأظرف مقطوعة إلى آخر هذه الأشياء.. تلقيها في كف عم رفقة فيضعها برفق على الأجزاء المكسورة.. تلتئم الأسلاك من تلقاء نفسها وتتمدد الإطارات وتعود ( الفرحة ) كما كانت.. أخبرني أن سوء استخدام الأطفال للـ ( الفرحة ) قد ازداد كثيرا هذه الأيام.. هذه الأشياء التي أتت بها العصافير كان الأطفال يجدونها في السلة الأمامية فيلقونها باعتبارها بلا قيمة.. رغم أنني أنصحهم في كل مرة ألا يلقوا بأي شيء قد لمس ( فرحتـ ) ـهم مهما بدا تافها..
كنت مازلت مأخوذا بالسير على هذا الشيء الهش.. ورائحة الريحان التي تتصاعد من الأجزاء الملتئمة.. وكان هناك صوت ناي خفيف.. خفيف للغاية لدرجة أنك يمكن أن تكسره بأصابعك.. علمت بعدها أنه يساعد العصافير على التركيز ويقلل من وزن الناس ليتمكنوا من البقاء فوق السحاب .. أدركت لماذا أكد عم رفقة على التزام الصمت.. همست :
- هو صحيح عمي اتكسرت دراعه عشان ( الفرحة ) جريت بيه فجأة وخلته يخبط في حيطة ؟
اختفت ابتسامته :
- ( الفرحة ) مبتعملش أي حاجة فجأة.. هو اللي كان عايز يسرقها.. ومايرجعهاش في المعاد.. مع إن دة مش من حقه.. حتى لو اشتراها.. لازم يرجعها في معاد محدد.. عشان كدة لما اتكسرت ( فرحتـ ) ـه معرفتش أصلحهاله ..
رفع رأسه لأعلى وأغمض عينيه..
- عشان أبني المكان دة.. خدت فترة كبيرة مع ناس ماباحبهمش.. كنت باحوش لحظات ألم كتير.. ماحبيتش أشتري ( فرحة ) تقعد معايا شوية وخلاص..
التفت إلي.. كان في عينيه دموع.. قال بنفس الصوت الهامس :
- تعرف تروّح لوحدك من هنا ؟
أومأت برأسي.. لكنني لا أستطيع التذكر هل قصدت النفي أم الإيجاب..








4 تعليقات:
http://altadebor.blogspot.com/
طيب انا عايزة لفة ؟ ممكن؟
ألف شوية وبعدين آجي أحط التعليق D:
شوية جد بقى فعلا .
الولد الذي كان لدية ثلاث فرحات أصبح عليه الآن
انتظار لحظة ألم صادقة تناسب فرحة جديدة :(
لم استطع ان امحو الفكرة وتزداد بزيادة القرأة
كان هناك صوت ناي خفيف للغاية لدرج
أنك يمكن أن تكسره بأصابعك .. يااااه
هو مين قالك فعلا ان صوت الناي الخفيف ممكن يحصله كده ؟
الناي صوته خفيف ، خفيف جدا
والناي يمكنه بطريقة ما أن يعطيك صوتا مجهول المصدر ، لا يمكنك تحديد من أين يأتي الصوت ولاتقتنع بفكرة انه من هنا ، من قطعة خشب صغيرة تختلف عن الباقين فقط في أنها مفرغة !! وحتى الآن لا أعرف كيف تتمكن قطعة خشب مفرغة من أن تملئ الجو بذكريات صغيرة ، تعيد تدويرها في الهواء ، وتعيد إلي فقط الجيد منها .
هززت رأسي بالنفي
تصلح كنهاية رائعة أو بداية أروع يمكن تخيلها :)
شيئ أخير:
موافي لا يتكلم ويستخدم الاشارة للتعبير ... صح؟
فكيف يمكن أن يقول " . صحيح يا ابني ، انت عرفت تدخل إزاي
من الباب وإزاي الدخان ماشافكش ؟؟ "
طيب انا عايزة لفة ؟ ممكن؟
ألف شوية وبعدين آجي أحط التعليق D:
شوية جد بقى فعلا .
الولد الذي كان لدية ثلاث فرحات أصبح عليه الآن
انتظار لحظة ألم صادقة تناسب فرحة جديدة :(
لم استطع ان امحو الفكرة وتزداد بزيادة القرأة
كان هناك صوت ناي خفيف للغاية لدرج
أنك يمكن أن تكسره بأصابعك .. يااااه
هو مين قالك فعلا ان صوت الناي الخفيف ممكن يحصله كده ؟
الناي صوته خفيف ، خفيف جدا
والناي يمكنه بطريقة ما أن يعطيك صوتا مجهول المصدر ، لا يمكنك تحديد من أين يأتي الصوت ولاتقتنع بفكرة انه من هنا ، من قطعة خشب صغيرة تختلف عن الباقين فقط في أنها مفرغة !! وحتى الآن لا أعرف كيف تتمكن قطعة خشب مفرغة من أن تملئ الجو بذكريات صغيرة ، تعيد تدويرها في الهواء ، وتعيد إلي فقط الجيد منها .
هززت رأسي بالنفي
تصلح كنهاية رائعة أو بداية أروع يمكن تخيلها :)
شيئ أخير:
موافي لا يتكلم ويستخدم الاشارة للتعبير ... صح؟
فكيف يمكن أن يقول " . صحيح يا ابني ، انت عرفت تدخل إزاي
من الباب وإزاي الدخان ماشافكش ؟؟ "
بلوجر قال ايه ده ؟ مش ممكن ؟
ايه يا بنتي العبقرية دي ؟ الله الله
وراح نشر تعليقي مرتين D:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية