الأحد، ٢٥ أبريل، ٢٠١٠

على حافة الشرفة لم يعرفني الهواء





قال لي أبي :
- في القاهرة أقمت في منزل لا يصعد فيه الماء في المواسير إلا إلى الطابق الخامس.. فاستأجرت شقة في الطابق السادس.. وفي باريس أقمت في منزل يصعد فيه الماء إلى الطابق العشرين.. فاستأجرت شقة في الطابق الحادي والعشرين.. وفي مكة أقمت في برج يصعد الماء فيه إلى جميع طوابقه التي تبلغ ألفا وستين وثلاثة.. فاستأجرت مظلة صغيرة وأقمت فوق سطح المبنى.. هكذا يا ولدي.. إياك أن يصل إليك الماء فيحرمك من هوائك.. فإن العبد بين غسلين.. أحدهما بالماء الذي يملأ الشقوق ويثقل الجسد والآخر بالهواء الذي يطرد التفاصيل المزيدة والأوهام المخزنة للطوارئ..


هبت نسمة هواء قوية فارتفعت الملاءات المنشورة بجانبنا في الشرفة لأعلى كمساحة بيضاء مبسوطة تتحرك على خد السماء.. قلت له :
- وما يمنعنا أن نعيش كهذه الملاءات.. نغتسل بالماء ثم يجففنا الهواء كأنما نولد من جديد..


ابتسم.. كان جالسا على حافة الشرفة يشرب الشاي ويترك جسده ليتمايل برفق مع الهواء.. إلى الآن لا أدري كيف كان أبي يتحكم في اتزانه هكذا حتى وهو منشغل في حديث عميق أو شرود مرهق.. كأن الهواء يعرفه.. يحبه.. ولا عرفت كيف لا يمكنني - وأنا الأخف وزنا بكثير - أن أجلس مثل جلسته ؟؟



- حين كنت طفلا في سنواتك الأولى.. كنت - كسائر الأطفال - كثيرا ما تدفع بثيابك الصوفية بعيدا في ضجر وتزيح الأغطية عن جسدك حين تنام.. كانت أمك تفزع.. وكانت أمها تضحك وتطمئنها بأن كل الأطفال يفعلون هذا.. وكنت أبتسم ولا أطمئنها بأنك تفعل ذلك لأنك مازلت صغيرا ويمكنك الفهم.. أن جسدك الغض ممتلئ بالدفء الحقيقي الذي تحاول الأغطية مشاركتك فيه فتعانقك بقوة هربا من برودة العالم.. فقط قلت لها أنه سيكبر يوما ما ويغادره الدفء كما يغادرنا ويتشبث بالأغطية ويتأكد من أن لا ثمة جزء ولو صغير من جسده مكشوف قبل أن ينام..
كان جسدك الناعم يخدع الماء فلا يسمح له بأكثر من الملامسة دون الدخول.. الإنصات دون التحدث.. لكننا لا نظل كثيرا هكذا - كهذه الملاءات.. بهذه البساطة والطمأنينة والقدرة على تعلم اللغات وعلى - في الوقت نفسه - خداع الذاكرة.. يدخلنا الماء ويخرج.. إننا نهرم وتملأنا التجاعيد والشقوق والأدراج ذات المفاتيح والخزائن ذات الأرقام السرية فلا نستطيع أن نخرج ماء تسرب إلينا مهما رغبنا.. وإن يسلبنا الماء شيئا لا نستعيده مهما افتقدنا..



انحنيت على حافة الشرفة.. كانت الأرض تبدو أقرب مما أراها كل يوم.. رفعت ساقي وحاولت الجلوس على الحافة مثله فمد يده إلي ليمنعني.. فوجئت أنه في حركته هذه يميل كثيرا لكنه يظل على اتزانه ولا يسقط.. أشار إلى يدي.. كانت بضع قطرات من الماء تنحدر منها.. قطب جبينه عندما أصابت هذه القطرات إحدى الملاءات المعلقة فازداد لونها دكنة وأخذت تشد على الحبل بقوة إلى أن عجز عن احتمالها فهوت.. وقبل أن تمس الأرض تحولت إلى سرب من الحمائم الرمادية الميتة تنتفض على الإسفلت دون دماء.

3 تعليقات:

Blogger Unique يقول...

ما زلت أعجب لأمر تلك الأرواح الخفيفة التي لا يطيح بها تهافت قطرات المطر على أزقتها الملساء, ولا تخلع عنها أغلفة الدفء حتى لو نازعتها فيها كل الأيدي الباردة!

رائع حكيك دائماً

٢٥ أبريل، ٢٠١٠ ١:٢٨ ص  
Blogger ponpona يقول...

تعرف ..
الأشياء الثقيلة ليست ثقيلة لأن وزنها كبير و أيضا ليس لأن حجمها كبير - رغم أنها كذلك فعلا - ولكن الأشياء الثقيلة ثقيلة لأننا لم نعد قادرين على حملها أكثر من ذلك .

أنا تدريجيا أتخلص من أشيائي الثقيلة . وتدريحيا أصبح اقوي .
تزداد قدرتي على التخلص من الاشياء الأثقل .. فأصبح أخف وزنا .

و أنا الآن أخف وزنا .. أمتلك فعلا خفة حقيقية .

مصطفى أنت تساعدني .. فشكرا لك
وانت حتى لا تعرف أنك تفعل .. فشكرا لك جدا جدا .

٢٥ أبريل، ٢٠١٠ ٧:٥١ ص  
Blogger Camellia Hussein يقول...

مش عارفة ده خط جديد ولا أنا اللي بقالي كتير ما قريتلكش؟ أنا علي كل حال أفضّل أصدق انه جديد
الحكي هنا فيه نضج وبساطة مانتش بلاقيها في النصوص اللي قبل كدة
لسة بتملك الأفكار الطازجة اللي ليها براءتها لكن المرة دي بشكل أعمق ، ما بقيتش محتاج تفاصيل مربكة ، مابقيتش محتاج تستخبي في شكل الحدوتة لانك هنا ممتل الفكرة بشكل حلو، الماء /الذكريات/الحزن/ ماتحمله لنا الأيام أو أيا كان ما يعنيه الرمز متوظف حلو واستخدامه جديد بالنسبة لي
أكتر فقرة لمستني وصدقتها كانت الفقرة اللي بتتكلم عن علاقة البطل بالأغطية ،برضه لمست فكرة جديدة وعلاقة أول مرة ألتفت لها
خيالك لسة محلق وواسع بس بقي أنضج أو نقدر نسميه يمكن خال أكثر حكمة
حاسة انك بتكبر in a good way :)
ومبسوطة بده
نص هايل يا مصطفي

٢٦ أبريل، ٢٠١٠ ٦:٤٦ ص  

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية