الجمعة، 30 أبريل، 2010

لا يمسني إلا المطهرون





أول الأبواب :

أضيع طريق منزلي فأعود للتيه.. تتشابه شوارع المدينة النائية وتستقبلني كلها بذات التعبير على وجهها.. مزيج من الحيرة والألفة.. يطول طريقي وأتمنى أن أجد البيت هنا أو هناك وأتمنى ألا أجده.. فالتيه بيتي منذ الأزل.. هو أماني وأنسي ورائحة ذكرياتي وأصوات من أحب.. الوقت قد قارب الفجر والشوارع خالية تماما.. مضاءة ومغسولة بالصمت.. هواء كثيف يعانقني ويمد أذرعته بين طيات ملابسي باحثا عن آلام مزورة أو كوابيس قد أكون خبأتها كي أدخنها في غياب أبي.. كنت أعرف أنه لن يسمح لي بالمرور حاملا كل هذه الممنوعات.. المحال مغلقة والنوافذ نائمة وإشارات المرور كلها خضراء رغم أنه لا سيارات هناك.. ومسجد قريب يتلو أدعية الفجر.. أجدني أبتسم.. المكان يشبه الجنة.. ربما أجد الجنة بعد خطوة هنا أو انعطافة هناك.. في لحظة ما.. بعد مسافة كافية من السير قد تختفي كل هذه المصابيح وتضيء السماء بذاتها.. سيمكنني أن أرى كل ما تحمل من ملائكة وأدعية مستجابة.. ستسجد بيوت الحجارة وتتحول إشارات المرور إلى عباءات خضراء واسعة تلفني.. سأتمنى أن تحمل رائحة المسك وسيستجيب الله لي.. أمشي أسرع.. يخيل إلي أن هذا ليس كافيا.. أدور حول نفسي.. أفرد ذراعي وأغمض عيني وأرهف أجنحتي وأدور.. يشف الضوء قليلا ولكن الإشارات لا تزال خضراء.. أدور بإصرار.. ما المانع.. أليست الجنة ما لا خطر على قلب بشر.. هل يقصد الله أن أحدنا قد يفاجأ بها في داخله بينما يدور حول نفسه في شوارع مدينة نائية ؟؟

ثاني الأبواب :

صباحك سكر نبات.. كل يوم أصحو على لحن يتناهى إلي من أول الشارع.. أنا اخترت له هذا الاسم.. لأنه مضيء الحواف كسكر النبات.. لكنني لم أسمعه اليوم.. فتحت النافذة.. عند أول الشارع كان نصير شمة مبتهجا.. كان يوزع الآيس كريم على العابرين بلا مقابل.. القليل يتوقفون.. البعض ينظر إلى العود المسند على الجدار ويهز كتفيه ويمضي.. كان يشير إلي.. لم أهبط.. لم تكن بي رغبة في الآيس كريم ولكنني كنت أشتهي الاستماع للعود.. وكنت أعرف أنه لن يوافق.. هو مبتهج هذا الصباح ويشعر برغبة في تناول أكواب صغيرة من الموسيقى الملونة المثلجة.. شتاء مفرح صغير يسمح له بدخول روحه دون صوت.. لم يكن يغضب من المعرضين عنه.. كان ينظر إلى الآيس كريم في يده ثم إليهم وقد غمر العرق ظهور ملابسهم وأخفت الأتربة لمعان أحذيتهم.. ينظر بأسف.. ثم يواصل النداء..
أفاجأ بنفسي وقد قفزت من مكاني وبدلت ملابسي في حركة واحدة.. وركضت باتجاه أول الشارع.. كان لم يزل يشير إلي.. والكوب الصغير ذو الحواف المضيئة في يده..




ليس آخرها :

صعدت الطفلة إلى ظهر الحافلة.. وضعت في حجر كل منا كيسا صغيرا يحمل بعض قطع من سكر النبات.. كانت الأكياس غير نظيفة وتنبعث منها رائحة عطنة.. أتابع صوت قدميها الحافيتين في مسيرتها إلى طرف الأتوبيس منتظرا أن تعود لتأخذ هذا الشيء الذي وضعته على ساقي.. يدهشني أنها لا تحاول أن تستعطفنا أو تردد عبارات دعائية مكررة كتلك التي نسمعها من أمثالها من الباعة.. يدهشني أكثر أن لا أحد تقريبا يعيرها اهتماما ومع ذلك فهي تصعد من نفس المكان كل يوم دون أن يبدو عليها أي أثر لملل أو يأس.. يخطر لي أنها - ربما - تعيد توزيع نفس بضاعتها الكاسدة علينا معتقدة أن زبائن جددا يصعدون على هذه المقاعد كل يوم.. أمسك بالكيس الصغير في يدي.. تروقني اللعبة فأتفحصه مليا من كل الجوانب.. ربما تكون قد وضعته على ساقي من قبل.. وربما أجد هنا بصمات لأصابع عديدة من بينها أصابعي.. أقربه من عيني أكثر.. هذا القطع الدقيق ربما سببه طفل عابث حاول أن يفتح الكيس أو يعرف مصدر هذه الرائحة الخانقة.. لكنه لم يكمل ما بدأه إذ رأى البائعة عائدة فمد يده إليها بالكيس دون اهتمام.. طفل عابث.. أو رجل ؟؟
تذكرت ما فعلته أنا بالأمس.. ربما تكون مصادفة.. حين بدأت في الشعور بارتجاف جسدي وقفت متطلعا حولي : أنا مش عايز الكيس دة..
فوجئت بالجميع ينظرون إلي.. وعلى سيقانهم ذات الأكياس الصغيرة غير عابئين بها بينما لا أثر للبائعة الصغيرة.. كان الأتوبيس قد تحرك وفكرت أنه من المستحيل أن تترك بضاعتها لنا هكذا دون مقابل.. جلست ملتقطا أنفاسي.. خطر لي أن أكمل ما بدأته بالأمس.. وضعت أصابعي حول القطع الدقيق وأكملته حتى انفتح الكيس أمامي.. امتلأ الأتوبيس برائحة كالمسك تلفني كأنها تتصاعد من صدري.. وتدحرجت القطع اللؤلؤية المسكرة في قبضتي.. أمسكت بإحداها.. وضعتها في فمي ليلامسها لساني بمنتهى الحرص..
حين فتحت عيني لم يكن هناك غيري في الأتوبيس.. لا ركاب ولا محصل ولا سائق.. فقط أكياس صغيرة مقفلة على قطع من سكر النبات موضوعة بنظام على المقاعد الخالية.. الأتوبيس يواصل اندفاعه.. والهواء الآتي من النافذة يلامس جبهتي الساخنة.. هواء رطب بريء من سخونة الجو والأتربة وعوادم السيارات.. هواء كأنه يأتي من عليين.. لامست زجاج النافذة.. كان مغلقا.. ابتسمت.. كنت أعرف أن الله سيستجيب لي.. أغمضت عيني من جديد وقررت الاستمتاع بالرحلة..

5 تعليقات:

Blogger ponpona يقول...

ربنا يديم عليك روحك وقلبك

:)

30 أبريل، 2010 3:17 م  
Blogger ponpona يقول...

اللهم امين....
هبه

30 أبريل، 2010 9:06 م  
Blogger dr/shiko يقول...

أعجز عن التعليق .. اهم حاجة بتخليني اخش علي مدونتك واقرالك هي دفقة الامل والحب والحرية التي تبعثها في روحي كل مرة ... بجد بجد سلمت يداك وقلبك وروحك لنا ابد الابدين

1 مايو، 2010 5:50 م  
Blogger dandana يقول...

كنت هنا

احببت ما وراء الباب الأول

5 مايو، 2010 3:46 ص  
Blogger ponpona يقول...

بسست
بسسست

هو في حد هنا ؟
طيب هناك ؟

طيب هو مصطفى فين ؟

مممم .. طيب لما يجي يا عم بلوجر ابقى قوله تعالي بقى افتح الشبابك ونفض التراب الكتير دا المدونة بقالها زمن طويل طويل ماحدش عمل فيها دوشة

شوية جد
لازم تيجي تكتب حاجة
ماليش دعوة .. هه
البوست اللي برا بقاله أكتر من شهر

8 يونيو، 2010 11:18 م  

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية