السبت، ٣١ يوليو، ٢٠١٠

وجع الروح العالق في الهواء




طوال طريق العودة إلى منزلي كانت كلماته تغبش زجاج السيارة ..

" أصبحت تتأخر كثيرا يا دكتور.. وتركيزك في غرفة العمليات يقل.. حتى متابعات ما بعد الجراحة.. التي هي - أنت تعلم طبعا - أهم من الجراحة نفسها.. "

اليوم استيقظت متأخرا كعادتي.. استدرت بجسدي يسارا لأنظر إلى المنبه الصغير بجواري فوقعت عيني على النافذة.. خيل إلي أن زجاج النافذة قد أصبح يحمل بعض البقع الداكنة.. خمنت أنها من الغبار العالق في الهواء فأخذت منديلا مبللا وأخذت أمسح عليه من الجهتين.. نظرت إليه بحيرة.. لم يتغير شيء.. لكن وقتي لم يسمح لي بالتفكير العميق فارتديت ملابسي وأشرت إلى سيارة أجرة لتحملني إلى المستشفى حيث كانت تنتظرني - كما توقعت - " رئيس القسم يريدك في مكتبه ".. توقفت سيدة مسنة أمامي فجأة وأخرجت منديلا بنيا صغيرا من حقيبة يدها ومسحت رجاج نظارتها.. تابعتها بنظري حتى ارتفعت أصوات الكلاكسات حولي لتنبهني أن الإشارة أصبحت خضراء..


" أنت لا تحب عملك.. هذا واضح.. وكان واضحا لي حتى وأنت طالب.. لكن دعني أخبرك بشيء.. ليست هذه هي المشكلة.. المشكلة أنك تتصرف بهدوء.. كأنك لا تدري ماذا يمكن أن يعني ذلك.. "

خمنت أن ضوء الشمس القوي هو ما جعلني عاجزا عن تمييز الضوء الأخضر.. واصلت طريقي.. زجاج السيارة ساخن والشوارع صاخبة.. بحثت بصعوبة عن مكان مناسب لأترك سيارتي به.. قبل أن أصعد إلى منزلي ضيقت عيني كثيرا وأنا أنظر إلى أعلى.. بالسماء سحاب ثقيل لا يتحرك.. لونه غريب.. داكن وعميق ومتجانس كأن أحدهم قد أسقط بعض الدهان على الأرضية الزرقاء الصافية.. أغمضت عيني حين بدأت في الشعور بأن هذا السحاب الغريب يتحرك مع حركتي..

" مصطفى.. ألديك فكرة بكم مهنة اشتغلت حين كنت في الجامعة كي أنفق على تعليمي .. ألديك فكرة إلى ماذا كان يمكن أن يؤدي ذلك .. "

انتهيت من فنجان القهوة.. أغمضت عيني وفتحتهما لعدة مرات.. التفت.. كان صديقي طبيب الرمد ينظر إلي طويلا .. ابتسم أخيرا : الهالات السودا دي بتشــ ...
قاطعته : مش هالات.. مش عارف أوصفها بس زي ماتكون بقع غامقة.. بني يمكن.. رمادي.. في الأول كنت فاكرها مجرد إرهاق في الشغل.. باشوفها في كل مكان..
سألني : انت بتسهر .. بتاخد نبطشيات كتير في المستشفى الأيام دي ؟
كذبت : أيوة ..
قبل أن أخرج من العمارة وضعت يدي في جيبي.. أخرجت الروشتة ونظرت إليها طويلا.. تنهدت.. تلفت حولي ثم مزقت الورقة وألقيت بها على جانب الطريق.. بعض ما أفعله هذه الأيام لا يمكنني أن أفهمه.. مثلا : ما الذي كنت أنتظره بعد جلسة قصيرة أقص فيها على صديق لي بعض الروايات الوهمية عن تاريخ مرضي وعن طبيعة الأعراض التي أشعر بها.. هل خفت ألا يصدقني.. أم خفت أن يصدق ..

" عملت كمساحات في سيارة لإزاحة ماء المطر ولكن صاحب السيرة طردني عندما رآني أعمل بمفردي بمجرد أن ينزل المطر ويغبش مجال الرؤية.. لفترة طويلة لم أفهم كيف يقرر أحدهم أن يسير في طريقه دون أن يساعد نفسه كي يتمكن من الرؤية بوضوح.. عملت نتيجة حائط عند أحد تجار الأقمشة.. لكنني تركت العمل بعد فترة حين وجدته ينظر إلي باهتمام بين الحين والآخر بينما أحمل يوما قديما لم ينتزع أوراقي منذ تاريخه.. عملت أيضا مذياعا عند سيدة مسنة.. كانت تسهر إلى جانب أغنيات أم كلثوم وأسمهان لكنها تبدأ في التثاؤب حين أبدأ في عرض نشرة أخبار اليوم.. طردتني ذات يوم لأنني كنت أعلي من صوتي فجأة خاصة في الأخبار المهمة التي كانت تستقبلها بعينين مقفلتين ودندنة خافتة..
عملت حتى في وظائف غير شريفة.. عملت كسرا في ساق طفلة صغيرة كانت مهمتي أن أسبب لها الألم المستمر.. لكن قلبي لم يطاوعني.. وانتهى الأمر بأن طردوني حين اكتشفوا أن الطفلة توقفت عن الصراخ وأصبحت تنظر الى ساقها المكسورة وتربت عليها برفق بينما تتنفس بشكل عميق ومنتظم.. عملت كذلك شماعة لتبرير الأخطاء عند أحد الوزراء لكنني هربت منه بعد أيام حين لم أعد أطيق رائحة أخطاء الوزير التي يلقيها علي بلا توقف.. وقتها كنت أرى البقع الداكنة تغطي كل شيء.. حتى أنني أوشكت على الموت"

بدأت كلماته تتحول إلى شيء يشبه الحلم.. لم أتساءل كيف يمكن لأحد أن يعرف كل هذه الأشياء.. وإنما كيف يحكي كل هذا الألم.. استلقيت على فراشي مغمضا عيني بعنف.. كان جسدي يؤلمني.. هل قال هذا حقا ..
ليلتها حلمت بهذه البقع في كل مكان.. تزحف على جدران المستشفى البيضاء / الأبواب / الملاءات / سيقان الفتيات في الشارع / واجهات المحلات.. أقود سيارتي بسرعة جنونية بينما تتسع البقع وتنفرد كالظلال الضخمة على كل شيء كأنها تطاردني.. تنخلع كل نوافذ العمارات الضخمة وتسقط في الشوارع كالمطر.. وتبتعد عني الأشجار حين تراني وتصرخ.. أتوقف على حافة الصحراء.. ألتقط أنفاسي وأشعر ببعض الأمان عندما تنبسط الرمال الفضية أمامي التي يزروها القمر هذه الليلة.. ياه القمر !.. أما زال...
بالتدريج يصبح لون الصحراء أمامي داكنا.. فلا أجرؤ على أن أرفع رأسي..


" أجمل لحظات حياتي كانت عندما كنت أعمل في ورشة لإصلاح الذاكرة.. كان يأتينا الناس بذاكرة مكسورة تحتاج إلى ترميم وأحيانا بذاكرة مؤلمة كي نقوم بتنظيفها لتعود كالجديدة.. ذات يوم أتي إلينا رجل فارغ اليدين.. قال بيتي هو ذاكرتي.. فأرسلني صاحب الورشة معه إلى منزله.. طوال الطريق كان يشكو لي عدم قدرته على النوم في المنزل.. وعن ملابسه التي لا تجف سريعا.. بدأت في طرح أسئلتي المعتادة : من كان يسكن معك هنا.. متى رحلوا.. ولماذا.. ما هو أول شيء تفعله بعد أن تصحو.. هل تفتح الشرفة أم تشغل التليفزيون..
منزله كان سيئا بحق.. هذا الرجل كان يعامل ذاكرته بقسوة.. أخذت أحصي الأضرار : بقعة من الشاي على أرضية الصالة..آثار أقدام في الشرفة.. يعلوها صوت غناء أنثوي.. كنت متأكدا أنني لن أستطيع إصلاح كل هذا..
فتحت حقيبتي الصغيرة.. أخرجت قلم رصاص ورسمت كوب شاي نصف ممتلئ بأعلى البقعة التي في الصالة.. وبين آثار الأقدام الصغيرة وصوت الغناء رسمت امرأة تجمع الملابس الجافة من حبل الغسيل.. وفوق الانخفاض في كرسي الصالون رسمت رجلا مسنا يقرأ تفسير الشعراوي..
رائحة الزهور كانت أكثر ما أرهقني فقد كانت قديمة ومتداخلة.. ظللت أرسم أنواعا شتى من الزهور وأغير في أماكنها حتى وضعت على منضدة الصالة بنفسج وفي الصالون بعض الورد البلدي الأحمر فتطابقت الرائحة تماما.. أما الصوت الذي وجدته في سلك التليفون فلم يكن بإمكاني بالطبع أن أرسم له متحدثا على الجهة الأخرى فانتهزت فرصة انشغاله بتفقد مواضع أقدامه بين الرسوم وأخفيت الصوت دون أن يشعر..
بعدها منحته القلم قائلا : ضع أنت ملامح الوجوه!.. قال في حيرة إنني قد جعلت المشكلة تصبح أعقد.. لكنني أفهمته أنه : على العكس.. فلو استطعت أن تجعل هذه الرسوم تحدثك كما تحدثها فلن تعود إلى الشعور بالوحدة.. ولو لم تتحدث فستكتشف أنها وهم.. وستطردهم بيدك وتمحو كل آثارهم.. سيكون ذلك سهلا "
حين سمعت طرقا على الباب قمت بتثاقل.. فتحت الباب لأجد أسوأ كوابيسي.. مرآة منتصبة تدير بصرها في الشقة بينما تسأل عني.. مصطفى مش هنا.. صح ؟

" أتعرف ما تتركه الدقائق والساعات من بقع على الروح حين تعمل عملا لا تحبه.. بقع ضئيلة لا ترى لكنها تتمدد مع الوقت.. أتعرف كيف يمكن أن يكون شكل الروح بعد عشر سنوات متواصلة من التنقل بين أعمال لا تحبها.. لون بني دائم وشروخ مستحيلة الالتئام.. بعدها.. بعدها بعدها ستخاف أن تضحك حتى لا ترى ضحكتك وهي تسقط تحت قدميك ملطخة ببقع داكنة كفراشة مريضة.. "


أجمل لحظات حياتي كانت قبل دخولي الجامعة.. كانت لي دراجة صغيرة كنت أذهب بها إلى المدرسة.. لم يكن هناك أجمل من الهواء البارد والضوء المولود حديثا وهما يعانقان وجهي بقوة مع كل حركة لقدمي على البدال.. الساحة الخالية كسماء صافية التي كنت أعبرها كطير حر.. دفء الحقيبة على ظهري كطفل يتعلق بي مغمضا عينيه ليشاركني الطيران.. الشمس التي توزع المصروف على أطفالها بطريقة غير عادلة.. فتوزع القليل على الشبابيك وتمنح أغلب عطرها الأبيض لعيني أبلة " نور " مدرسة العربي.. هدوء.. كان بداخلي هدوء كرمال ناعمة يزورها القمر.. وكنت الوحيد من بين العشرة الأوائل على المدرسة الذي لم يكن يرتدي نظارة طبية.. حتى أن أمي أوصتني بارتداء واحدة " حفظ نظر " خوفا من الحسد..
هدوء..
لأركز الآن..
ملابس بيضاء جديدة.. وزجاج جديد للنوافذ والشرفة.. كذلك سأحتاج إلى صوت جديد وسماء جديدة بدلا من تلك التي أتلفتها سنوات الوظيفة.. هذا أول ما سأفعله بعد الاستقالة.. سأشتري كذلك ضحكا.. الكثير والكثير منه.. لأطيره من فوق سطح المنزل..

4 تعليقات:

Blogger ponpona يقول...

يا الله

:)

٣١ يوليو، ٢٠١٠ ١٠:٣٢ ص  
Blogger Tota يقول...

حلوة اوى يا مصطفى مبدع وموجع وحقيقى كعادتك
شكرا على الحزن الجميل

٣١ يوليو، ٢٠١٠ ١٠:٣٥ ص  
Blogger youssef يقول...

لفترة طويلة لم أفهم كيف يقرر أحدهم أن يسير في طريقه دون أن يساعد نفسه كي يتمكن من الرؤية بوضوح..

لأركز الآن..
ملابس بيضاء جديدة.. وزجاج جديد للنوافذ والشرفة.. كذلك سأحتاج إلى صوت جديد وسماء جديدة بدلا من تلك التي أتلفتها سنوات الوظيفة.. هذا أول ما سأفعله بعد الاستقالة..

جميلة .. و ممتعة .. و مبتسمة رغم هذا الوجع القابض
.. لا أريد أن أقول أني عرفت الشعور ذاته .. لكني عانيت طويلا من هذه البقع الكئيبة طوال سنوات في ذات " الصنعة " اللعينة التي تشبه مصيدة ضخمة تطبق علي أنفاسك و تسرق لحظاتك الجميلة عمرك كله .. حاولت مثلك ذات مرة أن أستخلص روحي بين ابيات الشعر .. و عندما فشلت لم أيأس بل لا زلت أجاهد .. لشراء الضحكات

١ أغسطس، ٢٠١٠ ١١:٥٢ ص  
Blogger ponpona يقول...

أنا جيت تاني أهو :)

العنوان حلو و أول سطر كمان " تشبيه الكلام بإنه بيغبش قزاز العربية " .. دول شوية حاجات شبهك

في بقى كام نقطة كده

1-
أشرت إلى سيارة أجرة لتحملني إلى المستشفى حيث كانت تنتظرني - كما توقعت - " رئيس القسم يريدك في مكتبه ".. لحد هنا كده تمام

توقفت سيدة مسنة أمامي فجأة وأخرجت منديلا بنيا صغيرا من حقيبة يدها ومسحت رجاج نظارتها.. تابعتها بنظري حتى ارتفعت أصوات الكلاكسات حولي لتنبهني أن الإشارة أصبحت خضراء .... الفقرة دي مربكة جداً و دخلت كل المواضيع في بعضها ، الأحداث أكتر من الكلام

2-
الفقرات اللي مكتوبة بلون تاني غير الازرق - في رايي - بقت أجزاء طويلة لدرجة انها ممكن تعمل حدوتة لوحدها ، و إلى حد ما خرجتني من موود الحدوتة الأصليه

3-
"أقود سيارتي بسرعة جنونية" ... الفقرة دي انتهت وجه بعديها الكلام العَرَضي اللي باللون التاني و بعد كده لما جيت تكمل قلت " حين سمعت طرقا على الباب " .. التكملة هنا غريبة شوية أو ممكن تقول مفاجئة


4-
الفقرة اللي بدايتها "أجمل لحظات حياتي " فقرة إلى حد ما منفصلة عن الفقرات التانية و بدايتها تتدي إيحاء بإن دي بداية جديدة لحدوتة جديدة تماما

5-
هدوء..
لأركز الآن..
شايفة ان في هنا انتقالة حادة و كأن النهاية جت كدهو .. مرة واحدة

دول شوية حاجات مخلين النص مش متماسك أو مفكك لكن الشئ الكويس ان دي كلها كلها مشاكل شكلية متعلقة بالكتابة والترتيب .. أكيد تقدر تعدل في اللي انت شايفه مش مناسب

لكن بالنسبه لروح الحدوتة ذات نفسها فهو متماسك
الفكرة قوية وتعبيرات بنفس القوة بردو ودا الأهم ، لان مشاكل الكتابة الشكليه سهل تتصلح لكن لما تبقى المشكلة في روح الكتابة ذات نفسها بيبقى صعب

:) :)

٣ أغسطس، ٢٠١٠ ١١:٢٥ م  

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية