الخميس، ١٩ أغسطس، ٢٠١٠

سماء غائمة تملأ " وسط البلد "



الغروب يحب " وسط البلد ".. هي تعرف ذلك من بقائه فيها أطول وقت لكي يراها عن قرب.. ومن نظرته هذه التي تعرف بها من يحب بين مئات العاشقين الصغار ذوي الأصابع المتشابكة.. الذين تشعر بهم في كل مكان يثيرون رغوة هائلة من الكلام والتلامس دون وصل حقيقي.. كما أنه الوحيد الذي يعرف ماذا تحب.. لا أحد سواه يوزع حلوى البرتقال على المارة ثم يحيطها بشال بنفسجي جميل قبل أن يذهب.. ولا أحد سواه يحرص على أن يذهب مبكرا قبل أن تضيء أعمدة الإنارة فيبدو أمامها عجوزا وشاحبا.. لكنه لم يأت هذه الليلة..
ذهبت " وسط البلد " إلى كوبري قصر النيل كعادتها فلم تجده.. كان هناك سطح غائم مغبش يملأ الأفق.. انتظرت كثيرا حتى أضاءت أعمدة الإنارة فعلمت أنه جاء ومضى دون أن يراها أو يحكي لها.. يوم مر هكذا.. ويومان.. وأسبوع.. بدت " وسط البلد " مختنقة بالدخان ووقع الأقدام الذي لا ينتهي بينما لا ترى بالأعلى سوى السطح المغبش الذي لا يحمل أجوبة.. مشت " وسط البلد " واضعة يديها في جيوب الجيبة كما تحب أن تفعل.. كانت حزينة على الحكايات الكثيرة التي لم يحكها لها.. والتي لا بد تشعر بالتوعك الآن لأنها مكتومة في حقيبة الغروب.. ربما يحب الغروب أخرى ويحكي لها.. لكن على الأقل أليس من حقها أن يودعها..
مع انتهاء الأسبوع الثاني بدأت في التعود على حياتها وحيدة.. سيكون الأمر سهلا.. لفترة قصيرة سيظل يؤلمها الحزن والوحدة ثم سيؤلمها الفرح والونس بعد ذلك.. عاودت ممارسة ألعابها.. في " جيلاتي العبد " قضت ساعات تحول البرودة إلى بهجة ملونة لكن دموعها كانت تسقط في وسط الجيلاتي فتفسد الطعم.. وفي مقهى التكعيبة قرأت كتبا كثيرة تحوي قصائد نثر لكن الحروف كانت تغافلها وتتشابك فتقضي " وسط البلد " وقتها في محاولة إزاحتهم عن بعضهم البعض لتستطيع القراءة.. وفي سينما مترو أمسكت ببطارية صغيرة وظلت تأخذ نقودا من العشاق الصغار الذين يتبادلون القبلات في العتمة ثم تخرج لتشتري بها قبلات كثيرة للمحبين الفقراء الذين نفدت قبلاتهم أو بردت من عدم الاستخدام.. لكنها عجزت عن حمل البطارية والقبلات معا فسقطت كلها على الأرض.. شعرت بالألم مع إدراكها أن هناك العديد من الأشياء لا يمكنها فعلها إلا مع الغروب.. ومع انقضاء الشهر الأول كانت " وسط البلد " واقفة على رصيف مجلس الشورى حافية تصرخ في وجه السيارات المنطلقة في منتصف الليل.. وفي وجه سكان الطوابق العليا الذي بإمكانهم أن يروا الغروب من أعلى.. إلى أن رآها " فاكر " فدعاها لتأكل البطاطا وتبكي على كتفه..





الغروب يحب " وسط البلد ".. " فاكر " هو الوحيد الذي كان يراهما أحيانا حين كانا يستأجران شراعا أبيض ويجلسان متشابكي الأيدي في جرأة غير محسوبة.. كما أنه صديق " وسط البلد " المقرب الذي يعرف ماذا يعني سوء طعم الجيلاتي في " العبد " لأسابيع متتالية.. لذلك كان أول من أحس بالأمر.. كان شابا نحيلا صامتا يعاني من بعض التشوه في أسنانه فضروسه الطرفية تنمو عرضا إلى الخارج فتضغط على جدران الفم من الداخل وتحدث ألما متواصلا.. حتى أوصاه الأطباء بالبقاء مبتسما طوال الوقت كي يبعد فمه عن ضروسه النامية ويخفف الألم.. ولأن " وسط البلد " هي الوحيدة التي ائتمنها على هذا السر فهي الوحيدة التي لا تسخر من ابتسامته الدائمة.. والوحيدة التي تصدقه حين يغضب وتقبل أن تبكي على كتفه دون أن تسيء الظن به.. وهي أيضا الوحيدة التي تدرك لماذا ترك الطب وقرر أن يبيع البطاطا.. البطاطا التي تشبه الدموع الدافئة المختزنة التي أوزعها على الناس فيخفف ذلك من إحساسي بعبء الابتسام طول الوقت..
بعد ما انتهت " وسط البلد " من البطاطا أخبرته أن الغروب لم يودعها.. وهو لن يفعل ذلك إلا لو هي تركته أو أصبحت دميمة..
- " فاكر ".. أنت أحببت من قبل.. لماذا يترك أحدهم من يحب دون أن يودعه..
تنهد فاتسعت ابتسامته :
- لا أحد غيرك يعرف أنني كنت أحب.. كنا وقتها صغارا.. وكانت هي إحدى زميلاتي في الدفعة لم أر أجمل منها.. كانت بيضاء تماما تحمل وجه طفلة صغيرة وابتسامتها تتقافز حولها دائما.. لكنها لم تمض دون أن تودعني.. لقد أخبرتني أنها لم تعد تحتمل.. أنها لا تحب الأشخاص المحايدين.. وأنها منذ عرفتني لم ترني يوما واحدا أحب أو أكره شيئا بشكل مبالغ فيه أو زائد عن الحد.. دائما هو رد الفعل المتوقع..
أطرق وهو يكمل :
- أنت آلة تستقبل الجمال والقبح من الأشياء فتشعر بهم كما هم.. وروت لي كيف أنها ذات يوم قفزت على وجه بواب العمارة فلطمته فقط لأنها لا تحب من يحرسون الأشياء.. حاولت أن أخبرها أنني أكره الجرائد بشدة.. أكره ملمسها وحتى رائحتها إذا جلس بجواري أحد يحمل جريدة.. لكنها لم تصدقني وأنا أقول ذلك مع تلك الابتسامة على وجهي..
ثم التفت إليها :
- حاولي أن تتذكري ماذا قال لك الغروب في آخر مرة..
تنهدت " وسط البلد "
- قال إن الساعة ستتغير.. وإنني يجب أن أنتظره مبكرا أكثر.. وقال إن أحد شعراء النثر قال عنه إنه شجرة برتقال ذابلة وهذا أحزنه.. وقال إن الحناطير كانت أجمل من هذه العلب المزعجة المتعجلة دوما.. الحناطير التي لا تحوي طفايات حريق أو أحزمة أمان ولا تشعرك بالزمن.. ثم أمسك بيدي وكانت يده باردة.. قال أتذكرين أجمل لحظاتنا.. ونحن لم نزل صغارا.. كانت أطفال الشارع تشير إلى سائق الحنطور ثم إلينا - ونحن جالسان على السياج الخلفي للعربة - وتهتف " كرباج ورا يا اسطى ".. كنا ننظر لبعضينا بخوف.. وكان الخوف يحول الكرباج إلى وردة فنجري أنا وأنت لنختبئ في العطر فلا يرانا الأسطى.. وينزل كرباجه على مفيش.. كان الخوف ساحرا طيبا.. وكانت الأشجار أكثر سعادة والسماء صافية.. لماذا قال إن السماء كانت صافية!..





الغروب يحب " وسط البلد ".. لكنه أخبر السماء ألا تخبرها على السر إلا حين تأتي إليها من تلقاء نفسها وتبحث.. شعرت السماء بكف " وسط البلد " الدافئ والمرتعش يقلب في زرقتها العكرة بحثا عن شيء ما لا تعرفه.. عن إجابة ربما.. وسط هذا الأزرق لمحت بنتا ترتدي بنطلونا ضيقا و " بادي " أسود فوقهما طرحة صغيرة بيضاء.. كانت تجلس في مقهى مفتوح تأخذ نفسا عميقا من الشيشة دون متعة وتنظر إلى أسطح العمارات.. رأت امرأة منقبة تقرأ من مصحف صغير في عربة السيدات في المترو وتحذر أن يلمسها أحد.. فتاة تكتب تعليقا على صفحة من تحبه فتقرأ تحت تعليقها ( Ahmed likes this ) فتحاول أن تتخيل ما إذا كان هذا يعني أن أحمد قد ضحك أم ابتسم أم اكتفى بهز رأسه.. فوانيس معلقة على شرفات لا تنفتح أبوابها إلا نادرا.. زحام على أبواب السينمات.. جروح صغيرة غير مؤلمة على وجه رجل بفعل حلاقة متعجلة.. " فاكر " يلف إحدى ثمرات البطاطا مبتسما.. اكتشفت أن كل هذا الرمادي ليس إلا أطياف باهتة تتحرك وسط الزرقة.. بكت " وسط البلد ".. لن يعود الغروب أبدا..





الغروب يحب " وسط البلد " و " فاكر ".. لذلك لم يغضب حين جلسا متجاورين على الشراع الأبيض في مواجهة السماء الغائمة.. كان يعرف أنهما يلعبان لعبة الأمنيات..
قال " فاكر " :
- سأستيقظ يوما لأجد ضروسي في موضعها الطبيعي.. سأقوم من سريري عابسا نصف مغمض كما يفعل الجميع.. سيصبح العبوس غير مؤلم وسيمكنني أن أشعر بطعم الابتسامة الحقيقية المفاجئة حين أرى النيل أو يلوح لي طفل لا يعرفني.. تلك الابتسامة السريعة التي يتحول فيها الوجه إلى وردة..
قالت " وسط البلد " :
- أنا أحب السماء الصافية بشكل مبالغ فيه.. والحناطير والورد واللحظات التي تعقب رحيل الغروب بعد أن نكون قد أنهكنا من اللعب.. وأكره الفيس بوك بلا حدود.. والزينة المضيئة المعلقة على الشرفات والخطوط البيضاء على الإسفلت وابتسامة " فاكر "..




ضحك " فاكر ".. ضحكت السماء.. فتح الغروب حقيبته فملأت السماء حكاياته المكتومة لتتنفس من جديد.. ظل يحكي أياما طويلة.. كان الناس خلالها يأتون إلى " وسط البلد " من كل مكان ليشاهدوا كوبري قصر النيل.. الذي أصبح يمشي عليه الحمام ببطء بينما تحلق في سمائه السيارات..


3 تعليقات:

Blogger Rana يقول...

مفيش هنا لايك، بس اعتبر التعليق لايك كبيرة :)

٢٠ أغسطس، ٢٠١٠ ٤:٣٢ م  
Blogger Epitaph1987 يقول...

هو انت ازاي جميل كدة يا مصطفى!!

٢٤ أغسطس، ٢٠١٠ ٣:٥٣ م  
Blogger ponpona يقول...

الله الله الله

وش بيسقف بإيديه الاتنين و فرحان قوي

دول بقى :):):):):) عشانك

٢٤ أغسطس، ٢٠١٠ ١٠:١٧ م  

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية