الاثنين، ٧ فبراير، ٢٠١١

ثلاث دوائر سوداء



قبضته فوق ياقة قميصي كانت قوية رغم ارتعاشها.. ربما كانت قوية بشكل مبالغ فيه.. كان يلف ذراعه الأيسر الضخم حول رقبتي ليضمن بقاء رأسي متجها للأسفل.. في نفس الوقت الذي يتمسك فيه بقميصي حتى يوشك أن يمزقه.. أدهشني أن أفكر في القميص في مثل هذه الظروف..

من فوق بدا ميدان التحرير غارقا في الفوضى.. منذ الصباح لم أعمل لدقيقة واحدة.. تركت اللاب توب مفتوحا فوق مكتبي بصفحة بيضاء فارغة على شاشته.. اقتربت بهدوء من النافذة ممسكا بفنجان القهوة.. كيف يمكنني أن أصف هذا المشهد في افتتاحية المقال.. الشوارع تركض من أمام هراوات الأمن ثم تعاود التجمع من جديد.. الغضب يقذف الأجساد الساخنة على دروع الجنود.. السماء تتصاعد وسط الدخان وطعم القهوة ثقيل كأصوات الرصاص لكنه رغم ذلك لا يذهب الصداع.. فكرت أن أكتب لكنني تذكرت أن الانترنت مقطوع وأنني لن يمكنني وضع شيء على موقع الجريدة الرئيسي فاكتفيت بالوقوف.. وحين داهم المساء غرفة مكتبي كعربة أمن مركزي ضخمة وضعت بعض الماء في أصص الزهور وأغلقت اللاب توب ووضعته في أحد الأدراج.. تركت بدلتي على المقعد ونزلت..

- مالكم انتوا ومال المظاهرات.. انتوا شكلكم ولاد ناس..

كان يضغط بقدمه على الأرض بقوة كمن يجر عربة.. حذاؤه يعلوه تراب كثيف وفي جيب بنطلونه تبدو علبة سجائر ممزقة الأطراف وفارغة تقريبا..

- انت بتاخد كام في الشهر ؟

لا يرد.. أنشغل بمتابعة حذائه وهو يزيح قطع الحجارة الملقاة بكثافة على طول الإسفلت.. لاحظت أن بعضها كبير إلى حد ما..

- هو فيه حد كان بيرمي طوب ؟

- أمال إية.. انتوا عشان كنتوا واقفين في القصر العيني مشفتوش الضرب اللي كان في التحرير

- كله من ولاد الوسخة اللي بيدخلوا وسط المتظاهرين..

أدهشني أنني أقول هذا.. رغبت أن أرى ردة فعله على كلامي لكن وضع رأسي المتجهة لأسفل لم تمكنني من ذلك.. في الحقيقة شعرت بالفضول لأن أرى وجهه الذي اكتشفت أنني لم ألتقط شيئا من ملامحه.. كل ما تحتفظ به ذاكرتي هو صوت خطوات يتصاعد تدريجيا ورجال يقتربون منا ركضا بينما نحاول الهرب في الشوارع الجانبية.. قلة خبرتي بالمظاهرات جعلتني أتساءل إن كانوا رجال أمن أم مظاهرة أخرى تحاول الانضمام إلينا.. كان الشباب في المقدمة يتبادلون الإشارات ويتوزعون بطريقة ما بينما لم تمنحني الذراعان القويتان وقتا للتساؤل.. وجدت رأسي في لحظة ملاصقة للإسفلت واندفع أحدهم يركلني في جانبي وفي ركبتي.. ربما كان هناك أكثر من واحد.. وجدتني أصرخ : والله العظيم ماليا دعوة.. أنا كنت ماشي و... والله العظيم مش معاهم.. بدأت صوتي يقترب من البكاء.. وبدأت المبررات تبدو عبثية..

كانت رقبتي قد بدأت تؤلمني.. أبطأت سرعتي وحاولت التحايل كي أرى ماذا يحدث أمامي.. كان هناك بطول الشارع العديد من الأرجل ذات البنطلونات السوداء.. وأجزاء من هراوات حديدية وعجلات سيارات ضخمة ودماء تغرق الإسفلت في مواضع عديدة.. الأرجل ذات البنطلونات السوداء كانت تنشق أحيانا لتمر سيارات ميكروباص بسرعة محدثة صريرا عاليا.. صرخ شاب : العربية دي غير مخصصة لنقل المحتجزين.. وأنا من... انخطف قلبي وأنا أسمع صوت ضربات تنهال على جسده أعقبه صوت ارتطام وإغلاق للباب.. تذكرت ارتعاش يدي فوق الماوس حين فتحت خلسة موقع " كفاية " وقمت بتشغيل فيديو لبعض المتظاهرين الذين يرتدون الكوفيات ويسبون وزير الداخلية.. قالت أمي : ابن عمك خدوه أمن الدولة ومن ساعتها وهو مش بيكلم حد والله أعلم إنه طلق مراته ومرضيش يتجوز تاني عشان عذبوه تعذيب وحش.. كان قد أسر لي مرة أن زوجته هي التي بلغت عنه.. وحين قلت له إنها كانت حزينة لأجله نظر إلي نظرة غريبة ولم يحدثني بعدها.. جفلت حين ضغط بقدمه على بقعة دماء جافة تاركا بصمة واضحة لحذائه تقطعها خطوط عرضية مستقيمة.. قشعريرة باردة اعترتني فجأة.. أصبح ألم رقبتي لا يطاق وأصبحت أتنفس بصعوبة..

- شيل إيدك أنا جاي معاك..

لاحظت أنه بدأ يضغط أكثر على قميصي ربما خشية من أن تكون هذه محاولة للهرب.. قبضته فوق ياقة قميصي كانت مرتعشة رغم قوتها.. كنت قد تمكنت من رفع رأسي قليلا لكنه جاهد كي يظل وضع ذراعيه كما هو.. ومن بعيد كنت أرى المدرعات وعواميد الماء المرتفعة والدخان.. ذلك الدخان كان غريبا.. كانت القنابل تنهال من أعالي البنايات ومن المدرعات المحاصرة فتتسع صفوف الغاضبين ويتراجع الجنود حاملين حواجزهم خطوة إلى الخلف.. ربما تساءلت وقتها.. من يلقي بالدخان على من..

- والله ياباشا ماباخد أكتر من 200 جنيه.. وعلاج الحاجة لوحده عايز مرتب فوق مرتبي.. احنا اللي مالناش ذنب.. إحنا يعني نكره إن الحاجة ترخص..

رفعت رأسي أكثر.. كان هناك المزيد من الجنود الذين يشبكون أذرعتهم ليشكلوا حاجزا متوترا حولنا رغم أننا لم نكن نتعد العشرين.. اللافتات محطمة وبعض سيارات الشرطة تشتعل فيها النيران.. وجدتني أحدق في إشارة مرور محترقة ذات ثلاث دوائر سوداء.. أصبح تنفسي أهدأ رغم الغاز وأصبحت ركبتاي تتحركان بخفة دون ألم.. وحين خف ضغط يده قليلا على قميصي اكتشفت أنني كنت أقوده للأمام..

- يلا.. اخلع.

حين اقتربنا من سيارة الميكروباص وغمرنا زحام الضباط والمحتجزين أشار لي أن أبتعد.. مضيت بخطوات بطيئة دون أن أنظر خلفي.. وحين لمحت شارعا جانبيا انطلقت أعدو..

تغيير .. حرية .. عدالة اجتماعية

عادت خطوتي إلى التباطؤ.. كان الجنود والمدرعات يتوجهون لمحاصرة ميدان التحرير.. بقدمين خفيفتين مشت رائحة الغاز سالكة شارعا جانبيا ضيقا فتبعتها..

3 تعليقات:

Blogger candy يقول...

gamiiiil

٧ فبراير، ٢٠١١ ١٢:٠٨ م  
Blogger SeMo يقول...

السلام عليكم
قمت مع مجموعة من الأصدقاء بإنشاء عدد من المدونات ، ووضعنا بها إعلانات جوجل أدسنس، وبالفعل نحقق دخلا مش بطال
فعلى جميع الأخوة الكرام سواء عنده مدونة أو لم ينشئ مدونة بعد، وكانت له رغبة في الاشتراك معنا في هذا العمل، برجاء مراسلتي على الإيميل niletrader@gmail.com
والله الموضوع مثمر، وبالفعل وصلتنا دولارات من أدسنس ، فالموضوع ليس وهمًا
برجاء نشر هذا الموضوع لتعم الفائدة
مع تحياتي
Hello
We are a group of Egyptian guys who established some blogs where we added Google Adsense codes so we make some money on monthly basis, as a way of coming over our financial problems!!
if you would like to help us through allowing us adding the Adsense code to your blog and share the profits with you, pls contact us niletrader@gmail.com
Yours
Ash

٦ أبريل، ٢٠١١ ١١:٢٥ م  
Blogger zawaj-online يقول...

رائع

٢٠ ديسمبر، ٢٠١١ ١٠:١٧ ص  

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية