ويسألونك عن الدفء

قلت لها.. عندما نظرت إلى السماء المتسعة بخوف ورفضت أن تصاحبني :
السماء ليست باردة كما تظنين.. السماء دفء مجمد.. صنعته - مع السنين - آلاف من الأحلام المؤجلة.. حين تتنهدين.. ينسكب.. خفيفا خفيفا.. يطفئ المشاجرات الصغيرة.. يروي زهور الشرفات.. يملأ حصالات الأطفال ورئات العاشقين ومقاعد السينما.. ويغرق الحروف المتشابهة الممتدة بلا نهاية في ورق الخطابات.. ويسبب ارتفاع منسوب البحار.. فتغرق الجزر الكبيرة.. بينما الجزر الصغيرة تتسع ..
وباستخفاف.. ربما يذكر السادة الذين يحملون المظلات.. بأنهم ليسوا في أمان ..
................................
أول مرة لسعني ثلج القلب حين وجدتني أزيد من حرارة ماء الاستحمام.. بعد يومين من الرحيل.. كنت أكره الماء الساخن قبلها.. وأقول إنه حيلة الوحيدين إذ يرغبون في أنفاس دافئة ولون وردي في الأطراف.. وإنه يشبه مضاجعة الهواء.. وآخر مرة لسعني ثلج القلب حين أخبرتني صديقة أخرى أن غرفتي تسرقني.. وأنني يجب أن أبحث عن مكان آخر للكتابة غير تلك التي أدخن فيها نفسي كسيجارة مؤلمة لا تنتهي.. أقلعت عن التدخين بعدها ولم نر بعضنا البعض ونسيت ما قالته بشأن الغرفة..
................................
قلت لها .. حين اشتكت لي من صغر حجم المدفأة :
ضعيها على الأرض.. وقفي حافية في مواجهتها.. لا الغرفة تهم ولا حتى قلبك أو أطراف شعرك.. المهم أن يدخل الدفء قدميك.. فإن غمر الدفء قدميك صارت نوافذك شموس وصارت شموسك نوافذ .. وإن عرى الضوء ما بين أصابع قدميك صار قلبك سربا من فراشات بيضاء.. الدفء سماؤنا الثامنة التي تنطفئ أحلامنا قبل الوصول إليها.. الدفء إرث الكواكب قبل أن يخلق البشر.. إرث ثقيل.. فسيري عليه ولا تحمليه ..
................................
ويسألونك عن الدفء.. قل هو خمر الفقراء السائرين إلى الله إذ توشك الروح أن تلمس طرف عباءته باليدين.. وما أوتيتم من الروح إلا قليلا..
ويسألونك.. قل هو ابتداء اللقيا بين الروح والجسد دون أن يعرف أحد أيهما يأخذ الخطوة الأولى.. هل تترك الروح صحراءها السماوية وتبحث عن جسدها أم أنه يترك مطرقة الدقائق ويبحث عنها.. هو أول بعث بعد ألف موت خفي.. أول شمس تملأ رائحتها ملابسك بعد ألف صباح لا يتعد زجاج النافذة.. أول من يفتح بوابات الروح.. هو يسبق النية وقت الصلاة.. ويسبق انفراط رمان الخيال وقت ممارسة الحب.. ويسبق إغماض العينين وتنسم رائحة القهوة وقت التذكر.. هو أول أشكال الكائنات قبل أن تحبسنا الذاكرة في رأس وأطراف.. هو أول أشجار القلب.. ومواسم الشعر.. ومراتب الجنة..
................................
لم أقل شيئا.. حين أخبرتني أنها تسكب الماء يوميا لريحان الشرفة مثلما اعتادت منذ كانت لنا شرفة واحدة.. رغم برودة قارسة تغلف شرفتها الجديدة.. فقط قمت بهدوء لأفتح باب شرفتي.. رأيتها.. كما تركتها آخر مرة.. الشمس الصغيرة في منتصف طريقها للصعود.. وقد علقت بين أغصان الشجرة المواجهة.. كانت تملأ كل مجال الرؤية ضياء أبيض.. كان هناك شجرة بيضاء وسور شرفة أبيض وقمصان بيضاء معلقة فوق الحبل الأبيض وطرف كوفية أبيض وأصابع بيضاء رغم دفئها.. كان قويا حتى أنه كان ينفذ خلال جسدي وأحسه ملامسا للجدار الأمامي للقلب.. أنفاسي كانت دافئة وتشعرني برغبة في الضحك.. تشجعت أكثر و قربت يدي ببطء.. كانت ناعمة كالقطن يعلوها زغب أصفر هش ما إن ألمسه حتى يتناثر حولي نجوما صغيرة تسقط على الأوراق أو سور الشرفة أو على قدمي الحافيتين فيرتعش جسدي وأتراجع ثم أقترب من جديد.. لم تكن ملتهبة كما توقعت.. كانت ساخنة كرغيف مستدير خارج لتوه من الفرن.. شعرت بالجوع.. اقتربت.. كان الوهج الأبيض قد أرهق قلبي ولكني جازفت وعانقتها.. كانت خفيفة الوزن.. مررت يدي بين الأغصان فاندفعت الكرة برفق لأعلى كبالون الهيليوم.. ظلت تبتعد وتسخن وتتغير ابتسامتها لتأخذ هيئة جادة تليق بشمس ظهيرة..







6 تعليقات:
دي أحلي حاجة قريتهالك
علي الإطلاق
جميلة أوي يا مصطفي
يو ميد ماي داي يا كاميليا
الله ! :)
هنا الجمل بتاعتك و توصيفاتك ماتيور أكتر من الأول
اكتر بكتير
في النصوص اللي قبل كده ، بشكل عام ، كان بيبقى فيه جملة أو فقرة عبقرية فعلا ، جملة أو فقرة بترفع النص كله لفوق
عارف ايه الفارق هنا ؟
الفارق انه النص ده مافيهوش الجملة / الفقرة دي
لأنه ببساطة النص كله كده تقريبا
البداية عجبتني قوي
انا بحب البدايات السريعة ، الغير معتادة ، الغير تقليدية
أو بمعنى آخر ، بحب البدايات الحقيقية
" قلت لها.. عندما نظرت إلى السماء المتسعة بخوف ورفضت أن تصاحبني :السماء ليست باردة كما تظنين.. السماء دفء مجمد.. صنعته - مع السنين - آلاف من الأحلام المؤجلة. "
البداية هنا حقيقة قوي
بالنسبة للفقرات
عندي كام كومنت
رأيي انه لو قسمت فقرات النص بالأرقام كان هايبقى أحسن من الـ ...... اللي بتفصل ما بين كل فقرة و التانية
الـ ........... الكتير دي بتدي احساس بالنقصان ، بعدم الاكتمال
لكن الأرقام بتدي احساس بالتتابع
و التتابع في حد ذاته علامة من علامات الاكتمال
و ده يزود لقوة النص
عشان كده شايفة انه لو كان في أرقام بدل النقط دي كان هايبقى أحسن
حاجة تانية بالنسبة للفقرات
بيتهيألي لو بدلنا الفقرة بتاعة " و يسألونك عن الدفء " مكان الفقرة الللي قبلها بتاعة " قلت لها .. حين اشتكت لي من صغر حجم المدفأة "
بيتهيألي كده هيبقى في ترابط في الحكي أكتر
مش عارفة ازاي
بس حاسه انه ترتيبهم كده ملخبط شريط الحكي عندي
ملحوظة نونو : الفقرة التالتة فيها خطأ نحوي ، دور عليه هاتلاقيه
نهاية النص عجبتني قوي
فعلا
:)
حلوة اوى يا مصطفى .. حلوة اوى
منى
هو انا حقعد اقرا كل دة
دينا
مبسوط انها عجبتك فعلا
جميله جدا جدا يامصطفى
من احلى الحاجات اللى قرتهالك
تحياتى :)
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية