الأحد، ٢٩ يناير، ٢٠١٢

سمراء عند الملامسة




 




مستديرة.. يمكن أن تنظر إليها من أي اتجاه فتراها مكتملة.. سمراء.. تحتضن الصخب الذي يدور بقلبك ولا تزعجك بالمزيد منه.. لاذعة كالحنين المفاجئ .. ناعمة كابتعاد الحنين المفاجئ.. خفيفة كأقدام طفلة فوق الرمل.. ممتلئة كالرمل..
نصف ساعة كاملة مرت وأنا أتأمل بائع الفاكهة الصغير من نافذة قاعة المحاضرات المزدحمة.. يده الصغيرة تقلب البرقوق بحرص كأنه يخشى عليه من الخدش.. ابتسمت وأنا أتصور أنه يبحث عن يده الحقيقية وسط الأكف السمراء الضئيلة التي تصافحه بفرح.. لمست زجاج النافذة.. كان ساخنا ومتوهجا بفعل الشمس.. أدركت أنه آخر يوم لي بالجامعة. وحين غربت شمس اليوم الثاني كنت أمر تحت هذه النافذة.. فوق دراجة صغيرة أبيع ثمار البرقوق البارد  

........................

لم يعلمني أحد لمس الروح.. لا الغجرية التي كانت تمر بقريتنا لتلمس أكف النساء ولا المجذوب الذي كان يجعل السماء تهتز قليلا كعباءته ويجعل لها رائحة دافئة.. ولكنني حين كنت صغيرا.. قالت لي أمي إن الله قد أنشأ السماء فوق النخل.. سماء حنون قريبة المنال.. لذلك حين كنا نهز النخلة فيسقط البلح فوق رؤوسنا.. كنت أحسبه المطر.. كان المطر أسمر.. دافئا يملأ الجيوب ويدفئ القلب.. كان بهجة حقيقية سخية الحضور ولا تتسرب من بين الأصابع.. كان هذا قبل أن أصادف مطرا آخر يأتي من سماء أبعد.. بارد ومتعجل على الرحيل.. لم أحبه يوما.. ولم أره سوى مدع.. اعتدت دائما أن أطفئ أنوار المنزل كلما أتى كي لا يراني..  


........................


المرأة التي تسكن أعلى طابق في البناية رفضت أن تأخذ مني الباقي.. قالت إنني أشبه رجلا كان يحبها.. كانت ترتدي نظارة طبية سميكة وتعلو جبهتها وذراعيها بقع بيضاء كبيرة.. قالت إنه كان يعابثها أحيانا ويتظاهر بأنه بائع ورد.. لكنه تركها منذ عامين : قال إنني مريضة بالضوء.. وهذا حق.. فنظري ضعيف ولا أنجب إلا أطفالا موتى بلا روح.. أخبرتها أنني كنت أدرس بكلية الطب.. ونصحتها أن تسكن بشقة أقل ارتفاعا.. في شارع أقل عرضا.. وأن تكثر من الاغتسال ليلا.. وتناول البرقوق.. ضحكت بصوت عال.. وظلت واقفة بباب شقتها يصلني صوت ضحكها حتى وصلتُ إلى مدخل العمارة..


........................

لو أنني طريق.. سأتفق مع الشمس وأعمدة الإنارة على إجازة يومية أخلو فيها إلى نفسي.. لو أنني هاتف.. سأكون ناعما على الأذن كي لا يصابوا بالتوتر ويضطروا لتعلية أصواتهم.. لو أنني فرس.. لن أملأ رئتي بالكثير من هواء الصحراء.. لو أنني حلم.. لن آتي إلا ليلا.. لو أنني شجرة.. سأهب البرقوق طازجا بلا مقابل.. يا صديق.. ألم ينبهك أحد إلى أن تحلم بحذر ؟

........................


أصبح زبائني الآن يعرفونني وأعرفهم.. ينتظرونني وأنتظرهم.. يقف أحدهم عند الغروب في شرفته مبتسما كالهلال موقنا من قدومي.. لم يعودوا يسألونني لماذا تركت الجامعة,. ولا كيف آتي بكل هذا البرقوق حتى في غير مواسمه.. ولم أعد أسألهم لماذا أصبحت اجسادهم أكثر نحولا رغم أن عيونهم أصبحت متألقة وأصواتهم تنطلق في خفة.. ولا لماذا لم يعودوا يضعون ملابسهم على حبال الغسيل نهارا وإنما بعد الغروب فيما يجمعونها قبل شروق الشمس.. النظرة الواحدة بيننا تكفي.. تبوح بأننا نعرف أننا نعرف.


........................

   يجب أن تشبه الجنة فتاة سمراء كالمغيب.. هناك حيث تعيش الروح بأقل ضوء ممكن.. الروح تكره الضوء.. هو يؤذيها.. يكتم أنفاسها ويصيبها بالعمى.. زبائني الآن أصبحوا يعرفون.. يعرفون حكاية السحاب .. بائع البرقوق العجوز الذي لا يتحدث إلا حين ينضج قلبه الأسمر.. السحاب الأبيض أخرس كأسماك الزينة.. يعرفون حكاية الكعبة.. الجنة السمراء التي نلمسها ونحن نرتدي الأبيض كي نخفي أرواحنا.. فقط الأبيض.. فالله يعلم ما قد يحدث إذا خلع أحدهم رداءه.. لتبزغ روحه السمراء وتنظر في وجه الكعبة فتقفز كنبع.. تحلق كأجنحة جبريل تاركة جسدا مفتوح المسام بالأسفل بلا حراك.. زبائني لم يعودوا يتسرعون بإشعال الضوء حين يشعرون بحركة غريبة في الليل.. زبائني يعرفون حكاية الضوء.. الذئب الفضي المتربص فوق الزر كي يقفز عليها ويغرس فيها أنيابه اللامعة.. يحملها بعيدا.. الضوء.. خطيئتنا الدائمة..

........................

لو أنني مطر.. لن أتعجل العودة مهما حرقتني الشمس.. سأتمهل قليلا بين أصابع الأقدام.. حيث الصمت الدافئ الذي تخبئونه عن أنفسكم.. قليلا بما يكفي لأن ينبت البرقوق الصغير وينظر إليكم بملء عينيه كطفل.. ثم أموت بابتسامة خفيفة.




3 تعليقات:

Blogger الست فرويد يقول...

فى كل مرة امر من هنا واقرا لك نصا

افكر فى طريقة لاقول لك بها كم انت مبدع وكم تبهجنى نصوصك بلغتها وصورها وعمقها ولا اجد

الدف يقطر من كلماتك

مع فائق اعجابى واحترامى

٢٩ يناير، ٢٠١٢ ٢:٣٠ ص  
Blogger P A S H A يقول...

مبهرة بجد
أسلوبك ساحر آخاذ متفرد
استمتعت حقيقي بالقراءة
دمت مبدعاً متوهجاً ممطراً
:)

٢٩ يناير، ٢٠١٢ ٤:٠٩ م  
Blogger Rosa يقول...

الله فعلا جميله
واسلوبك حلو جدا

تحياتى :)))

٣١ يناير، ٢٠١٢ ١١:٠٣ م  

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية